سيرة

October 10, 2009

نشأتُ في حي الدقي على الجانب الغربي من نيل القاهرة لأبوين أصولهما في القليوبية ودمياط. لكن حي شُبرا حيث ولدت أمي هو المكان الذي ألتمس فيه الجذور أكثر الوقت، ولا يربطني ببلدة أبي في الشمال سوى قبره الآن. كان أبي محامياً يعمل في البنوك وأمي موظفة بالإذاعة. شخصان متعلمان تأخرا في الزواج ثم لم ينجبا غيري، الأمر الذي وفر درجة من الرفاهية (في التعليم بالذات) فاقت ما كان يتمتع به أقراني من العائلتين. وعانيت أثناء المراهقة من التباس في انتماءاتي الطبقية عوّضه تعلم الإنگليزية في سن مبكرة والاحتكاك بمدرسين بريطانيين شجعوني على القراءة. ثمة شعور دائم بأنني جئت متأخراً، لأن أولاد أعمامي جميعاً أكبر بجيل أو اثنين ولأنني لم أكن تجاوزت السادسة حين قُتل الرئيس السادات سنة ١٩٨١، فلم أعاصر الأحداث الكبرى من استقلال أو حرب أو تغير في التوجه السياسي للمجتمع. تمردت على الدين بشكل شخصي في عمر الرابعة عشر تقريباً، قبل أن يكون لي رأي فيما يسمى بالإسلام السياسي أو حتى أعي ما هو. كان أبي قارئاً شغوفاً يساري الميول وكارهاً للطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها، فلعل حضور أفكاره ساهم في تجاوز الجو المحافظ السائد – والذي لم تتخل عنه أمي – كما حال الالتباس الطبقي دون أي شعور بالانتماء لجماعة أو توجه. الوجود في مركز أسرة مرتجلة قامت على اجتهادات وأخطاء فردين متباينين أكثر من أي تقاليد مقننة، لعل هذا يفتح عيناً سحرية على العالم. من خلال علاقة أبي بوزير الاقتصاد الأسبق علي الجرتلي، تعرفت بالمخرج المسرحي حسن الجرتلي وعملت إلى جانب المَدرسة في فرقته – «الورشة» – كملقن وموثق حتى سن الثامنة عشر. ثم بددتُ كل مدخرات أبوي والجزء الأكبر من دخلهما طوال ثلاث سنين على دراسة الآداب في جامعة هل بإنگلترا. كانت فكرتي عن إنگلترا والغرب عموماً أنه ذلك العالم الحر المليء بالإبداع والقيم السامية، فصدمت في حياتي الجديدة بتلك البلدة الكئيبة المحبطة اقتصادياً، حيث تضاءلت فجأة مساحة التعبير عن المشاعر والاختلاط بالآخرين، وكشف «البيض» عن عنصرية كامنة وقابلية أضعف بكثير مما توقعت على تجاوز الثوابت الأخلاقية. لكن الدراسة أتت على هواي. وكان لعملي في المطبوعة الإنگليزية لمؤسسة الأهرام بعد عودتي في أواخر التسعينيات وقعاً مطمئناً لأبوي، فسرعان ما عُوِّضت الخسارة المادية من مدخول الكتابة الصحفية والترجمة. نشرت أول كتبي أيضاً في هذه الفترة، ووطدت الصلة بغيري من الكتاب رغم سخطي على حالة العزلة والشللية التي لمستها في المناخ الأدبي. فلما بلغت أشدي – مثل النبي يوسف – آتتني الدنيا حكماً وعلماً على أكثر من صعيد، حيث استُبدل مشروعي الأدبي بمشروع صحافة ثقافية. وخلاف بضع قصائد متفرقة (جمعتها مؤخراً مع نصوص أقدم وأحدث في كتاب شعري بعنوان «كل أماكننا»)، لم أكتب بالعربية تقريباً حتى بدأت تختلط خبرة الصحافة بنوازع الإبداع المبكرة من خلال مساهماتي بنصوص غير القصص والقصائد في مجلة أمكنة التي أسسها علاء خالد في الإسكندرية، فكانت زيارتي الأولى لبيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية اللبنانية سنة ٢٠٠٥ بداية مشروع أدبي جديد يدور حول المكان ومحاولة البحث عن مفهوم مُرض للهوية أو الانتماء في التاريخ العربي الحديث ومجدداً (من خلال روايتي الأولى التي أنا بصدد الانتهاء منها الآن) في الثقافة الإسلامية ما قبل ظهور «التيار السلفي». واعتقادي أن الإبداع الأدبي شكل من أشكال المعرفة، يوازي في أهميته البحث الأكاديمي في العلوم الإنسانية، دون أن يحاكيه أو يتطلع إلى شروطه. عشت في أماكن كثيرة داخل القاهرة وخارجها منذ مولدي سنة ١٩٧٦، لكن تظل شقة أبوي في الدقي هي القاعدة التي أعود إليها بعد صولات ومناورات عادة ما تجد طريقها إلى النص الأدبي آجلاً أو عاجلاً. وإلى إشعار آخر تظل هذه الشقة هي الوطن الوحيد الممكن وسط الملابسات.

One Response to “سيرة”

  1. حسام توفيق Says:

    أخي يوسف.. تحية لك
    أوصاني صديقي حسين الرفاعي بإضافتك في الفيس بوك.. وقد تكرمت مشكوراً بالإضافة.. كما قرأت تقريضاً لأحد أعمالك على لسان صنع الله.. ثم حدثني الصديق سيد محمود عنك.. وأنت حرضتني على قراءة سركون بولص واقتنيت بعض دواوينه قبل يومين من خالد المعالي فأنا لا أملك إلا الأكروبول.. لكنني فشلت فشلاً ذريعاً في الحصول على أي من أعمالك المطبوعة.. دلني لو تكرمت؟


Leave a Reply