The Third World is beautiful
June 14, 2007

عن ندوة كتبخان، حول الكاتب والمدينة
June 14, 2007
مع التفكير يزعجني الآن كلام أحمد أبو زيد – وهو واحد من أربعة فقط حضروا الندوة ليلة أمس – حول أنني متزمت ولا أترك مساحة، لاعتراضي على مبالغة إبراهيم فرغلي في تقدير الغرب، أو «حق الانبهار» المكفول لأبناء «العالم الثالث»، أو «الدول النامية»، المتأخرين. (لا سؤال أبداً في هذا السياق عن مفهوم التقدم ومكان هؤلاء منه، أو رغبتهم في تحقيقه، أو حقهم في الاختيار.) والمثير في الأمر أن يفسَّر انفعالي على أنه إحساس بالدونية من جانبي وليس من جانب إبراهيم (الأمر الذي لم أكن قد اتهمته به على كل حال)، بحيث يصبح الكلام عن تأخرنا وتقدمهم – وهو كلام مكرر على أحسن الفروض – هو المسار الطبيعي للحديث، ولا يستوجب اعتراضاً: أن لا يبقى من تعاملنا مع أنفسنا، في وعينا بالاختلاف عن الغربيين، سوى تلك الخريطة المرسومة مسبقاً، بمعرفة وأدوات لم نعد نذكر – مع حدة تأففنا من أنفسنا – أنها هي الأخرى، تاريخياً، لمصلحتهم، وإن لم تتناف، بالضرورة، مع ما نريد. هذه الخريطة تجعل منا، عملياً، أنصاف أشخاص، لا حق لنا لا في تراثنا (فهو مثار للإكزوتيكية في النظر إلينا من جانب الغرب، مثلاً، أو غير موائم لمعطيات العصر الغربية، أو بعيد عن حياتنا اليومية إلخ) ولا في أي سيادة فردية، في مقابل السيادة الجماعية المفقودة بطبيعة الحال. ذلك، على الأقل، إلى أن نتمكن من منافستهم، الأمر الذي يجعل الندية مستحيلة، حيث لا يمكن أن ننافسهم، في هذا السياق، إلا على «حضارة» هم عرّفوها تاريخياً دون مشورة منا، ولن تشغل فيها هويتنا سوى حيز ضيق قبل أن تنتهي أعمار أحفاد أحفادنا، لأسباب لا أظن أن هناك خلافاً عليها، ولا علاقة لها أساساً بقدراتنا أو همتنا كأفراد… على أن كل هذا لا يثير انفعالاً!
الذي يثير الانفعال أن الاختلاف المفترض – الذي يبرر حوار «الحضارات» وصراعها ويحيل الكلام، جبرياً، على صياغات «نحن» و«هم» – هو في فحواه اصطناع سياسي (كولونيالي ثم تحرري-وطني-ما بعد كولونيالي ثم «يساري»-شيوعي-عروبي والآن «يساري»-يميني متطرف-إسلامي)، و هذا الاصطناع على اختلاف تجلياته عبر العصور دائماً ما يلغي حقيقة أبسط وأوضح، في أغلب الأحيان، من أي توجهات نظرية: أن الذي يجمع الجنس البشري أكثر بكثير مما يفرقه؛ وأن الانتماء للحضارة السائدة، في أي عصر كان، ليس فقط ضرورياً وإنما يحصل بشكل أوتوماتيكي؛ وأن اختلاف الهوية الثقافية، من داخل هذه الحضارة، لا ينفي أو يهدد الانتماء لها، ولا يستوجب وعياً مبالغاً بضرورة شرح الذات وترجمة النوازع. الأهم من كل ذلك أننا، ربما، ودون أن يكون ذلك دفاع الضعفاء عن أنفسهم في محكمة الأقوياء، ودون اعتبار للانفعال، أننا لسنا مختلفين عن الغربيين كل هذا الاختلاف، ولا هم يستغربوننا إلى هذا الحد، ولا يستسلمون دائماً لهوس إعلامهم. هم يفتقدون أشياء مازالت عندنا، ولا نخجل منها – نحن – سوى لأنها لم تأت من عندهم. ولا إيه رأيك يا أستاذ إبراهيم؟
