وعي خرافي هدفه ليس نهضة المواطن العربي ولا الوحدة العربية ولا دحض الرأسمالية العالمية ولا تحرير فلسطين، وإنما تعهير ذلك كله لصالح حكومات قادرة على إبادة شعوبها في الشوارع من أجل البقاء في الحكم: كذلك وصفتُ، قبل أسابيع، المنظومة القيمية التي أنتجت الشعر الحر، وتزامن الوصف مع حرب القذافي مع ثوار ليبيا – تلك التي دعا فيها صريحاً إلى موت الجميع
أول كلامي: أوحّد الله…
عشية تحرير العاصمة الليبية، استمعتُ إلى أربعة شعراء يقرأون قصائد نثر كان بعضها بديعاً. ومع ذلك، ومع أن الشعراء معروفون في الدوائر الأدبية، لم يكن للأمسية التي نظمّتْها إحدى دور النشر في القاهرة جمهور سواي وآخر من معارفنا. طال الحديث عن غياب القارئ وجدوى الكتابة – قال أكثر من طرف إن الشعر فن “نخبوي” وإننا لا يجب أن نحاسب أنفسنا بمقاييس شعبوية لا تتناسب وتطلعاتنا – ثم اصطحبتُ أحد المشاركين وزوجته إلى “الزمالك” لاحتساء القهوة حيث يُمنع، في رمضان، بيع الكحول. عزينا أنفسنا بالاضطراب الحاصل في إيقاع اليوم جراء الإمساك وفساد الحياة الثقافية، وأخذنا نعقد مقارنات بينها وبين الحياة السياسية كنقطتي تقاطع بين الشخصي والعام على طريق تعريف الذات
طوال الأمسية، في دار النشر، كان أحد المشاركين يخبرنا بتطورات الوضع الذي تصله أخباره أو شائعاته عبر الهاتف أو بطريقة ما: القبض على سيف الإسلام، اقتحام المخدع الشخصي لعائشة، انضمام أهالي طرابلس إلى الثوار… الآن تمر سيارات صاخبة، يطل من شبابيكها شبان يلوّحون علم السنوسي فنحييهم بعلامة النصر ونبتسم. ولا أعرف ما إذا كانت فرحتنا بسقوط القذافي، في ضوء امتعاضنا مما آل إليه الربيع العربي هنا في مصر، أعمق من مشاركتنا الواهنة في الاحتفال.
***
إذن – هكذا فكرتُ مازحاً – فقد نجحت مؤامرة “جرذان الخيانة والعمالة والنذالة” على “الجماهيرية العظمى” و”النهر الصناعي العظيم” كما نجحت على “بطل الضربة الجوية” لحرب أكتوبر المبالغ بجنون في الاحتفال بها وإن لم تغير شيئاً في مصر حتى الساعة، فهل تنجح على “المعقل الأخير للممانعة والمقاومة” بارك الله في الجولان؟
خطر لي ليلتها أن سوريا لن تتحرر على الأرجح بغير تدخل “دولي” – أن قوات الناتو في دعمها لثوار ليبيا كانت تفعل، وإن على نحو أقل سينمائية وبلا نية في البقاء، ما فعلته القوات الأمريكية لصالح شيعة وأكراد وأحرار العراق سنة ٢٠٠٣، حيث كانت هناك أكثر من ثورة مسلحة وغير مسلحة مستمرة منذ بداية التسعينيات – وأن مثل ذلك التدخل في سوريا سيكون من شأنه أن يطلق النواح القومجي والإسلاموي كما أطلقه وقتئذ على العراق، معضضاً موقف حسن نصر الله مثلاً.
إنه من قبيل المفارقة أن تكون منظومة النضال “الثوري” ضد “آخَر” مستعمر قد بلغت من الطغيان والغباوة ما يستوجب الاستعانة على الحكومات القمعية التي أفرزتها بذلك الآخر المستمعر نفسه، سواء أكان الديكتاتور كالقذافي من الرعيل الأول للحركة القومية أم كان ثعباناً منسلاً ليس لديه ما يبثه سوى سم السادية والإبادة مثل صدام.
عند عودتي إلى البيت شاهدتُ، للمرة الثالثة، حلقة ٢٣-١٢- ٢٠٠٨ من برنامج “الاتجاه المعاكس”؛ وسرحتُ في تاريخي الشخصي مع المناظرة التي تضمنتْها بين قومي عربي وليبي فرانكوفوني، مسترجعاً ملابسات كل من المشاهدتين السابقتين.
صلّ على النبي
كانت المشاهدة الأولى في تاريخ إذاعة الحلقة الأصلي، على الهواء مباشرة كما يقول ضيوف مُعد ومقدّم البرنامج فيصل القاسم من باب تأكيد فكرتهم أو إضفاء أهمية مجانية عليها، مردفين: “أمام الملايين”! أيامها كنتُ أسكن في أبو ظبي حيث أنفقت من وقتي على التليفزيون، خلال عام واحد، أكثر مما أنفقت في عمري كله؛ وتعرفتُ إلى قناة الجزيرة بعدما تجنبتها طوال عقد. بدا أن الاتجاه المعاكس هو أحد أركان تلك القناة؛ ولعل ما استوقفني ذلك المساء هو أن أحد طرفي المناظرة كان صاحباً قديماً لأبي المحامي المتوفي سنة ٢٠٠٠: الحقوقي المصري عبد العظيم المغربي، نائب الأمين العام لاتحاد المحامين العرب أو، كما عرفته طفلاً، “عم عبعظيم” – المقيم في باريس (حيث زرناه في ستوديو ضيق أثناء رحلة سياحية أواخر الثمانينات: هل كان، وقتئذ، هارباً من ملاحقة أمن الدولة؟) – ثم الناشط في نقابة المحامين بعد خراب مالطة كما يقول أبي متأسياً.
مثله مثل أكثر أصدقاء الأسرة من “المثقفين” المسيسين إجمالاً، كان عبد العظيم المغربي قد اختفى من حياتنا قبل الوفاة بسنين؛ ما إن تبيّنت هويته حتى تذكرتُ يوم شكت لي أمي أنه لم يُعزّها وجهاً لوجه. الباقي معي من ذكراه، سنة ٢٠٠٨، اسمه وسحنته وحقيقة واحدة أخرى هي مربط خلافه المتكرر مع أبي: أنه ناصري.
***
لعل “الناصرية” هي التمثل الأغبى للقومية العربية (منذ ٢٠٠٥، أوصلتني قراءة التاريخ في امتداده على الشاشات الإخبارية إلى أن القومية العربية، على النقيض المباشر من خطابها، كانت أداة الاستعمار الأوروبي الأنجع في عصر ما بعد الإمبراطوريات) لكنها – الناصرية – ظلت تُقدَّم باعتبارها توجهاً سياسياً متماسكاً في ذاته. ولم أعرف لها معنى، لا وقتها ولا الآن، سوى تقديس أصولي لشخص “البكباشي” التافه الذي أراد أو ادعى إرادة تحرير البلاد العربية أو توحيدها ولم ينشغل في الواقع بغير تحويل نفسه إلى صنم جبار يعبده الفقراء شرط أن يبقوا على جهلهم ويرهبه المتعلمون فيمتنعون عن نشر علمهم بدعوى الإصلاح والتحرر. لم تتكون قناعتي تلك حتى منتصف العقد الأول من الألفية؛ ولم يكن لها صلة، من ثم، بأن أبي (الماركسي المرتد) يناصب العهد الشمولي والدولة البوليسية عداء يكاد يكون شخصياً.
كان أبي يحتقر السادات ويستهين بمبارك، لكنه كان يكره عبد الناصر كرهاً حقيقياً – يراهما امتداداً له – وكان كرهه لعبد الناصر من العمق والتصميم بحيث أصبحتُ أنا، الابن الوحيد، مستعداً لتفهم “قائد ثورة يوليو” والتعاطف معه كمحرر الفلاحين وبطل القضية الفلسطينية، لا لشيء إلا لأنقض رأي أب يراه محتالاً مدفوعاً بالحقد الطبقي.
كان أبي يحمّل عبد الناصر مسئولية لا الهزيمة العسكرية والاقتصادية فحسب ولكن أيضاً انهيار الزراعة والتعليم وتدهور مؤسسات الدولة والفضاء العام، فضلاً عن طغيان كان من شأنه أن يحوّل نصف سكان البلد إلى “كتاب تقارير” ويؤدي إلى التنكيل بالمعارضين حتى إخراج رفات موتاهم من القبور. ولم يكن يرى في تأميم قناة السويس والسد العالي سوى إيماءات مسرحية سيكون ضررها أكبر من نفعها، على المدى الطويل. تحاشياً للشجار إثر دفاع عم عبعظيم الهستيري عن “زعيم الأمة العربية” في حال تعبير أبي عن رأيه (هذا ما تذكرته بينما أستعد، في أبو ظبي، لحضور مناظرة عن جورج دابليو بوش والعراق)، صارا – أبي وعم عبعظيم – يتحاشيان سيرة عبد الناصر متى التقيا.
***
لم أكن قد سمعتُ بغريم عبد العظيم المغربي في حلقة الاتجاه المعاكس المعنية، في المقابل: الهادي شلوف، الحقوقي الفرنسي الليبي الأصل، عضو المحكمة الجنائية الدولية، ومتكأ فيصل القاسم الرئيسي، كما سأكتشف، على طريق وجهة النظر “الأخرى” – غير العروبية، غير القومية، غير الإسلاموية – أو ممثل جناح معارضة المنفى الراديكالي إلى حد النداء بعودة المستعمر (الأمر الذي سيؤيده فيه، للغرابة، جمهور فيصل القاسم من ممثلي “رجل الشارع” العربي، مشجع الإرهاب الطائفي في العراق، المستعد لنفي ليس المحرقة النازية فحسب وإنما مجازر “الشهيد صدام حسين” كذلك، لمجرد أن صدام أُعدم بمعرفة الأمريكان).
في أجواء الخليج المتأمركة على أسوأ نحو ممكن – تلك السلفية العفنة، وبينما الطفل المدلل لشركات النفط متعددة الجنسيات لا يزال يحكم أمريكا والدنيا تحت سطوة الأصولية الرأسمالية للمحافظين الجدد وحربهم على الإرهاب، كان يستحيل النظر إلى ما يفعله الأمريكان في العراق بأي منطق إيجابي؛ ظل الهادي شلوف، مع نبرة صوت فرنسية وأخطاء نحوية أبدته متعجرفاً حتى لو لم يكن كذلك، محصوراً في حيز “خيانة” استعراضية ما فتئ صاحب أبي يتهمه بها، موظفاً “الحنجرة” الغوغائية ذاتها التي اعتدتُها طول عمري من “اليسار”: “يا عميل جورج بوش، أنت هارب من ليبيا أصلاً… اذهب أيها الهارب العميل”! – بل ومعهّراً قيمه هو من أجل تحقير الرأي الآخر: معيراً غريمه بالهروب من نظام القذافي، منكراً عليه حق قراءة التاريخ الحديث بما يبدي الصنم الناصري في ضوء سلبي، مفتخراً بتواطؤه مع أنظمة يدعي معارضتها.
“من قال،” هذا ما يكرره عم عبعظيم، بنبرة النبي أو موفده الرسمي، “لكن هذا شأن داخلي” (تماماً كما كانت الأنفال وحلبجة، أليس كذلك؟) ومع كل ذلك، حيث كان يدافع عن الصهيونية المسيحية التي تحرك الحرب في العراق، بدا موقف المحامي الليبي مبالغاً أو زائفاً في السياق.
***
هل كنتُ، عشية تعرفي إلى الهادي شلوف على شاشة الجزيرة في شقتي – المربع الأبيض، خلف شارع دلما في مدينة أبو ظبي، ساعة نفخ صاحب أبي ذلك البوق المقزز للخطاب ما بعد الاستعماري في تصريفه القومي، الشمولي، الكذاب، بخلاف التصريف “الإسلامي” الأكثر سواداً على تلك الشاشة، يوم مضى في صياحه مزيِّفاً مركزه الوظيفي بمنتهى البذاءة ليحط من شأن منافس أنجح وأعلم بما لا يقاس، مقطّباً حاجبيه اللذين يشبهان حرف “في” إذ يتغاضى عن سؤال مَن جلب الأمريكان إلى الجزيرة العربية أساساً، مدعياً الحق والقدرة بينما هو يعمل لدى نظام يعيش على معاداته، ولا يملك سوى أحبال صوت مطاطة ونظرة بلطجي… يوم ألقى الهادي شلوف بجواز سفره على طاولة الاتجاه المعاكس معلناً أنه فخور بالجنسية الفرنسية ولا يحمل غيرها، محتقراً “النظم القمعية الذليلة” – والتي لا “يعارض” صاحب أبي فعلاً سوى نفعيتها وما يسمح به بعضها، على الهامش، من حقوق وحريات – هل كنتُ ممن “يقاومون” الوجود العسكري الأمريكي في العراق؟
سنة ٢٠٠٨، هل كنت حتى أنا مشغولاً بـ”القضية”؟
زد النبي صلاة!
كانت الحلقة عن محاكمة بوش المنشودة على جرائمه ضد الإنسانية في أفغانستان والعراق (حيث تطوع المحامون العرب المطالبون بهذه المحاكمة أنفسهم للدفاع عن صدام حسين قبل أن “يُستشهد” أو “يُغتال” كما قالوا، بينما الحقيقة أن شعبه حكم عليه بالإعدام، وهم كما ثبت غير قادرين لا على محاكمة بوش ولا على تبرئة “زعيم” عُثر عليه في حفرة): المناسبة المثالية للجعجعة الأخلاقية، على رغم ذلك – محاكمة بوش. سوى أن أخلاق المحامين العرب لا تمتد يوماً إدانة الانتهاك الممنهج للحقوق في بلادهم هم، تلك المحكومة عملياً، في حالة عم عبعظيم على الأقل، من جانب القوات الأمريكية ذاتها. كأن دماء العرب حلال على طغاتهم من “الممانعين” إلى ما لا نهاية وحلال حتى على الأمريكان طالما يسفكها عرب “معتدلون” بالنيابة! كأن كرامة العرب، في كلتا الحالتين، مشروطة أنطولوجياً بمجابهة الآخر الأعلم والأقوى ذاته، المستعمر!
إنها الصورة المعكوسة للهوية المنسحقة أمام ذلك المستعمر كما تتبدى في كامل قبحها حين تنظر إلى نفسها في المرآة؛ لذلك تنتقم من بني جلدتها ألف مرة قبل أن تنتقم من الآخر العدو مرة واحدة، سواء أبالقمع أم بالإرهاب.
كانت الحلقة، أقول، عن جرائم أمريكا في العراق. بين ٢٠٠٨ و٢٠١١، سنة المشاهدة الثانية، تبدل “نازي العصر” كما سماه الحقوقي المصري برئيس آخر أسود ومتسامح واسم أبيه حسين، ولم يطرأ مع ذلك أي تغير جوهري على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فيما اتضح أن وعيد عم عبعظيم ووعوده التي ما فتئ يرددها في الحلقة – “نحن نعمل منذ أربع سنوات إعداداً لمحاكمته كمجرم حرب، ونُعد، وأنشأنا المركز العربي لتوثيق جرائم الحرب والملاحقة القانونية خصيصاً لهذا الغرض… وننتظر، نَعد الدقائق حتى يغادر ما يسمى بالحصانة المزيفة الاستعمارية لكي نطارده” – اتضح أن هذه الوعود لم تكن سوى جعجعة أخلاقية بلا أخلاق، جعجعة أشبه بحذاء أشار ليبي آخر من أبواق القذافي، بالون الخراء المدعو أحمد امبارك الشاطر، إلى أن “البطل الهمام” منتظر الزيدي اشتراه مستعملاً من سوق شعبي في “بلد عبد الناصر”: الحذاء الذي رفض الهادي شلوف أن يجاري الآخرين في افتراض أهميته وهو يصف “حملة الملاحقة” صادقاً بأنها لا توجد، “هذا كله كلام دعائي”، قائلاً إن قذف الأحذية على حين غرة “ليس من ثقافتي ولا من ثقافة رجل القانون”.
***
الحلقة عن محاكمة بوش لكن بينما نسيتُ بوش، اليوم، تغير شيء في نظرتي إلى ما فعله منذ إذاعتها.
احتلال العراق الذي أصر الحقوقي الليبي أن يسميه “التحرير” والذي عقّده، حد فهمي، لا الوجود العسكري الأمريكي في ذاته ولا الضمير العروبي الأعور كما يسميه الرائع حقيقة كريم بدر، ولكن فلول البعث والإرهاب الإسلاموي وطائفية شيعية مدعومة من إيران: بعد يناير ٢٠١١، صرتُ أرى ذلك الاحتلال بمنطق جديد؛ ولأول مرة، هكذا بدا لي أثناء الاستماع إلى ضويف فيصل القاسم بداية من أستاذ تاريخ موريتاني يتصور أن المقصود من “انحلال” الفضائيات الغربية هو استهداف “الأمة” وعبوراً بأستاذ علوم سياسية تونسي يرى أن نتائج الاستفتاءات الرئاسية في العالم العربي، ظاهرة الـ٩٩,٩ في المئة، تعبر عن “توافق وطني”… لعلني فهمتُ ما كان يجري في العراق.
ثمن الحرية ما بعد الزعامة حرب أهلية إذن (وربما لهذا لم نحصل في مصر على الحرية، غير أنه لم يكن لدينا زعامة حقيقة نقيم حرباً أهلية في إثرها!) لكن هل كان حل تفادي الحرب هو استمرار النظام الشمولي بغض النظر عن جرائمه في حق العراقيين؟ وهل يعتقد أمثال إبراهيم علوش ومشعان الجبوري – ذلك “المهفوف” الجهادي دون أن يكون إسلامياً، الذي ما إن يجابه عراقياً سواه حتى يصرخ: “يا إيراني”، وكأن في ذلك الدليل القاطع على انتصاره المسبق في السجال، هل يعتقدون حقاً أن صدام كان حريصاً على مصالح العرب لأنه هدد بإطلاق صواريخ على إسرائيل أو احتل الكويت أو حارب، بلا مبرر وإلى أن استنزف احتمالات الاستمرار، دولة الخميني؟ وهل يعتقدون أنه، حتى هو، لم “يضع يده في يد الأمريكان”؟
***
لسنين كانت حرب العراق معضلة بالنسبة إلي.
سنة ٢٠٠٣، أتذكر، أنا أيضاً حركتني مشاعر قومية. أنا أيضاً أغضبني كذب الإدارة الأمريكية بشأن أسلحة الدمار الشامل وتورط صدام في ١١ سبتمبر، آلمني “سقوط” عاصمة الدولة العباسية (على أساس أن البعثيين، بانقلاباتهم، لم يكونوا قد أشبعوا بغداد “سقوطاً”؟) وتعاطفتُ مع النائحين والمتظاهرين أيضاً، منساقاً وراء الدعوى أن من يدمر العراق ويقتل العراقيين ليسوا العراقيين أنفسهم وأن في “مقاومة” الأمريكان شرف يعادل شرف مقاومة إسرائيل.
أظن المسألة اتضحت بتدريج مضن بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٨، مروراً بـ”ثورة الأرز” المجهضة والثورة المضادة التي قادها حزب الله في لبنان بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٦: مدى ما خلفه القهر أو التعريف المعمم للذات كبديل عن المسئولية الأخلاقية، ليس في العراق فقط، من جهل وعنف وكره مجاني للآخر حتى حين لا يكون الآخر بالضرورة عدواً؛ تحميل أمريكا وإسرائيل مسئولية كل المشاكل من ناحية، ومن ناحية أخرى نفي الرأي المخالف إلى حيز “العمالة” لأمريكا وإسرائيل، الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمارس، على رغم عنصريتها، تداولاً حقيقياً للسلطة ومساءلة منهجية للحكومة وحرصاً على مواطنيها اليهود – ولم يكن يُعين الوعي على تجاوز هذه العقلية كون “المجتمع الدولي” منحازاً، ولا كون المتحالفين معه نصابين إن لم يكونوا عملاء بالمعنى التقني، تماماً كما لم يكن من السهل التعاطف مع الهادي شلوف على رغم صدق ما يقوله لأنه، لحظة يُقال، يَصبّ في مصلحة سياسي مثل بوش.
***
لكنني لم أفهم بالكامل، أو هكذا يبدو لي، حتى ٢٠١١، عشية المشاهدة الثانية، على “يوتيوب”؛ وكان ذلك بعد مجابهة الأمن المصري، أثناء اعتصام ميدان التحرير الأول (٢٨ يناير – ١١ فبراير ٢٠١١). بعد سنتين من الانقطاع عن الجزيرة، أدمنتُ التفرج على الاتجاه المعاكس في الإنترنت، وكنت أفعل متأهباً للمنظور العروبي-الإسلاموي والذي يتساوى فيه، على اختلافهم، كل من بن لادن وصدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وعبد الناصر وحسن نصر الله، أليس كذلك؟
***
أريد أن أسأل إبراهيم علوش، في سياق مقاومته الهستيرية لـ”مشاريع الهيمنة الخارجية”، أيّ مشاريع هيمنة داخلية ممثلة في أشباه هؤلاء يود طرحها بالمقابل؟ كم انتحارياً أو كردياً وشيعياً أو مسيحياً وعلمانياً ستتكلف، كم مجتمعاً مقوضاً، كم موهبة، كم امرأة، كم رغبة، كم “حنجرة” جعجاع تتسول فتات أنظمة “تعارضها” وتكون من الوقاحة بحيث تطلق على نفسها لفظة “مفكر”؟ كم انقلاباً عسكرياً يفضي إلى زعيم مقدس وكم وريثاً بيولوجياً للحكم الجمهوري ستتكلفه هيمنة إبراهيم علوش الداخلية تلك، أو كم جهازاً قمعياً ومحكمة تفتيش؟ كم كذبة؟
أريد أن أسأل حماه الله ولد السالم وإبراهيم الخولي ويحيى أبو زكريا تباعاً، إن كان في العالم العربي ما يمكن أن يستهدفه الغرب المتقدم من خلال برامجه الإباحية، إن كان المَخرج من الكارثة الحضارية التي يعانيها المسلمون منذ قرون يكمن في قطع الطريق على مثل هذه البرامج وتكرار كلام عبثي عن أن “شرع الله” نظام حياة متكامل يصلح لكل مكان وزمان ومن ثم يتيح الاستغناء عن العلم الحديث والدولة العلمانية – حيث “الدين” عبارة عن شعائر مفرّغة من أي مضمون سوى كراهية ما سواها، إن كان استبداد الأنظمة العربية لا يعكس وعي المجتمعات التي أفرزتها، ما بعد الاستعمار.
أريد أحداً من المتكلمين باسم الأمة أو العروبة أو الإسلام أن يقنعني أن لحظة خروج الناس إلى الشوارع بالملايين ليقتلهم مواطنوهم بأموال الدولة، ثم لا يعود شيء يتغير سوى وجه الديكتاتور – ولا مؤسسة واحدة يُعتمد عليها غير جيش هو الآخر مستعد لقتل شعبه دفاعاً عن دولة لا زال يسميها “العدو”، لا “قوى سياسية” متماسكة سوى أطياف ذلك الذي يسمونه “الإسلام”، ولا منطق في تقييم الأحداث سوى “نحن” الطيبين و”هم” الأوغاد… أريد أحداً واحداً أن يقنعني أن تلك اللحظة لم تكن نهاية كل المشاريع السياسية القائمة على الهوية (الوطنية أو الدينية أو المتمثلة في شخص الزعيم)، أنها لم تكن السقوط المدوي والأخير لسيرة شعبية أضحت مملة عن “جان” يمثل الخير ضد “فيلان” يمثل الشر في معركة من أجل شيء يُمكننا أن نسميه الوطن.
ونحكي في سيرة نكمّل…
أكدت لي مشاركة صاحب أبي في الاتجاه المعاكس، بعد خبرتي بالربيع العربي وبعدما رأيتُ موقف “اليسار” في كل لحظة منه، قبل وبعد أنفال مبارك الصغيرة في ميدان التحرير، أكدت لي أننا في بلاد ليس معارضوها سوى طامعين في السلطة بلا حجة إلا الهوية ولا قدرة على التمسك بقيمة أخلاقية أو رؤية مفارقة للوضع القائم، حيث الأبوية المطلقة – الصنم الناصري مثالاً، جذر مسموم ليسوا مستعدين لاقتلاعه، داخل حدود وعي يغلّب الفكرة العاطفية المجردة – الخرافة على الواقع المعاش ولا يتورع عن المتاجرة بها، يقرأ نصوصه الأساسية بحَرفية ويمجّد أو يحقّر ليس إنجازات وحقائق ولكن أفعالاً طارئة وتعميمات مجانية:
إذا رأيت عراقياً فلتُعيّره بأن العراق محتل من قبل أن تفهم موقفه من الاحتلال ودون أن تسأل نفسك عن ما فعلت من أجله أو ماذا كنت لتفعل مكانه؛ وإذا تهكم رسام دانماركي على الوهابيين فكل الدانمارك ضد كل المسلمين وكلهم حكومةً ومواطنين ومؤسسات وشركات كلهم كلهم أعداء الله (بعد ألف وخمسمئة سنة نصفها في طليعة الحضارة الإنسانية، لعل “الإسلام” من الهشاشة واليأس بحيث يحتاج إلى مشعلي الحرائق في السفارات للدفاع عنه، لعله في حاجة إلى لحية كالبطيخة لتدلل على وجوده، أو منظمة سياسية أقرب ما تكون إلى فاشية موسوليني للمارسته “الصحيحة”)؛ وإذا تسلق شاب أبله “عمارة السفارة” لينزع عنها علم إسرائيل، فقد نقض “الشعب المصري” معاهدة كامب ديفيد وانتصرنا على العدو الصهيوني، كما يقول عبد الحليم: “انتصرنا انتصرنا انتصرنااا”! لن يكون من المجلس العسكري، إثر ذلك، إلا أن ينشئ “جداراً عازلاً” حول مبنى السفارة.
***
حدود الأخلاق في حدود الخيال، وهو الشعر: ما تتسع فيه آفاق وعينا.
***
طالما كنت أتساءل عن السر في أن المصريين يتظاهرون بحماسة بالغة ضد أفعال إسرائيل مع الفلسطينيين، أو أمريكا مع العراق، بينما حقوقهم هم مداسة ولا أمل في تمثيل ديمقراطي نزيه يعكس موقف الأغلبية في السياسات الخارجية للدولة، فيكون من شأنه أن تُقطع العلاقات مع إسرائيل رسمياً بلا حاجة إلى تسلق العمارات، وهو ما لاحظته بامتداد الدول العربية: أن قضية “مركزية” لا تُحل من أجل أن تمتص الطاقة الشعبوية المتاحة، ويُسمح بالتعبير فيها عن الرأي، بقدر، شرط أن تبقى بعيدة بما يكفي عن الواقع المعاش. إن دور المعارضة هنا محوري، وهو فعل مزدوج قائم على الترويج للقضية بشكل غير واقعي بالمرة إن لم يكن بالكذب الصريح – “سنلاحقه، سنلاحقه”، بشكل يضمن أن لا تحل القضية على كل حال، وفي الوقت نفسه التكريس للوضع القائم عبر الإيحاء بأن هناك معارضة بالفعل وأنها لا تحقق شيئاً، أنه ليس في الإمكان سوى الكائن.
صاحب أبي الكذاب: “أنا كل يوم في القاهرة في مظاهرة – من أجل: فتح معبر رفح، من أجل: الدفاع عن المقاومة العراقية، والمقاومة اللبنانية، والمقاومة الصومالية…” وعلى رغم أنه “ضد نظامه في مصر”، فهو ليس في مظاهرة لإسقاطه.
إن هذا ما أتابعه مجدداً بحساسية أعلى في أعقاب “الثورة”، اللحظة الوحيدة التي حضرتُ الناس فيها تتظاهر بل وتموت من أجل حقوقها هي، لا من أجل “القضية” (والتي اشترك فيها “اليسار” مع الحكومة “العميلة” التي يعارضها في التنظير لمؤامرات خارجية ونعت المحتجين بالخيانة و”الاندساس”): أن كلاماً يقال أو مسرحيات تُعرَض؛ وبينما القائل أو الممثل، غير المقنع عادة على استعداد لاغتيال من يعارضه معنوياً إن لم يكن جسدياً، يظل غير قادر على تفصيل ولو جملة أو لقطة واحدة ليدلل على صلابة منطقها. فقط يصرخ في وجه مناظره بدعوى الحق الإلهي: “يا عميل!”
الذي جاء بالكهرباء: قصيدة مزامنة للمشاهدة الأولى
الذي جاء بالكهرباء
لم يكن قبيح الخلقة
بدا الجهاز في يده
كهاتف أو مسجل
مجرد إضافة عصرية
لربطة العنق الأنيقة
والحذاء ذي اللمعة الآخذة
*
الذي جاء بالكهرباء
لم يكن سادي الأداء
كان أدبه شديداً
وهو ينحني بالسلام
قبل أن يقرأ علينا
قرار العقاب
معتذراً عن قسوة سيده
*
الذي جاء بالكهرباء
لم يصعقنا حتى تأكد
أننا مستعدون
وكان بعد كل صرخة
يرجئ الصعقة التالية
متمتماً بالنصائح
لتخفيف الألم
*
كان لطفه ساحراً ذلك
الذي جاء بالكهرباء
لدرجة أننا اقتنعنا
بإمكانية التحمل
وعزمنا على تسهيل مهمته
حتى اكتسبت صرخاتنا
نبرات تفانٍ صادق
*
ما انتابنا الشك لحظة بأنه
يخفي أصوله البربرية
في محافل الوجهاء
أو ينسب لأجداده عبارات
عن الحرية والعدل
وحق الجسد في النمو
دون أن يتعرض للعذاب
*
خلب ألبابنا الذي جاء بالكهرباء
حتى استسغنا عذابنا
حتى الأن، قرأت هذه التدوينة ثلاث مرات، هناك مقاطع جذبتني لقراءة هذا النص / المقالة.. عمل ممتاز يا يوسف