ما رآه رخا:
November 22, 2009
المكان باعتباره أزمة يعانيها الكاتب
ياسر عبد الحافظ في أخبار الأدب
هذا كتاب لن يمنح لك نفسه من المرة الأولي. في الحقيقة هو ليس مهتماً بهذا جداً، ربما لن يحترم قناعاتك بأنه من المفترض أن يكون كذلك، أليس هذا ما اعتدناه في كتب الرحلات، البساطة التي تناسب عقليات تحب أن تشاهد العالم بعيون الآخرين لا أن تغامر هي، شخص يسافر إلي مكان ليدهشك طوال الوقت بما رآه، يصف المعالم التاريخية الرائعة والحضارات الإنسانية، أو يتحدث عن المآسي والفقر والمجاعات، أخلاق الرجال وأحوال النساء، العادات والتقاليد الغريبة… فقط لأنك لا تمارسها. وهكذا فما عليك إلا أن تسترخي فيما السطور تتهادي إليك. غير أن يوسف رخا، يبدو وكأنه غاضب من هذه الفكرة (في الحقيقة هو غاضب من أشياء كثيرة) وقد قرر منذ زمن، منذ “بيروت شي محل”، و”بورقيبة علي مضض” أن يهدم تلك النظرية علي رؤوس كتب الرحلات الأخري، حتي إنك بعد أن تنتهي من القراءة سيصبح عليك التفكير جدياً إما في تصنيف الكتب الأخري أو تصنيف هذا. هو يعرف أن المفهوم لابد له أن يتغير، قبلاً كان الارتحال صعباً، الآن لم يعد كذلك، ساعات عدة وسط وسائل راحة تتنافس الشركات علي ابتكارها وتصبح في مكان آخر، وهناك لن تجد ما كنت تتصوره في خيالك، مغامرات المكتشفين باتت من التاريخ، لم يعد هناك ما يمكن اكتشافه، ولم يعد هناك ما يدهش، طعم القهوة بات واحداً في كل البلاد، وكل جوانب الأرض تم تصويرها من مختلف الزوايا. ما الهدف من السفر إذاً، وما الذي يمكن تقديمه في كتاب رحلات، في نوع أدبي كاد أن يفقد أسباب وجوده.
العنوان “شمال القاهرة… غرب الفلبين ــ أسفار في العالم العربي” وللتأكيد فإن هناك علي حقيبة المسافر رموز عدة: شجرة الأرز وطربوش وجمل. البداية في المغرب والنهاية في الإمارات وبينهما لبنان. والكتاب يبدأ هكذا: “مرضت عروسي حال وصولنا. يسمون الغرفة بيتاً. لم نكد ندخل بيتنا حتي راحت في النوم. ظلت ثابتة مع أن المكان وسخ وكئيب، بالكاد يسع جسدينا.” متروك لك أن تتخيل ما تريد حول هذه القصة، هي واحدة من الألغاز التي عليك أن تضعها بجوار بعضها البعض لترسم الصورة التي ترغبها، بالطبع هذا يقتضي بداية أن تفك شيفرة اللغة، وهي لغة خاصة جداً، لغة روائية محملة بالكثير من الرموز والإشارات والإيحاءات، تتناول المكان ليس باعتباره مقصداً سياحياً وإنما باعتباره أزمة يعانيها الراوي مثله مثل أهل البلد، ومتي هكذا أصبح كأنه واحد منهم؟ هو نفسه لا يعرف، غير أن الشك الذي يداهمك في هذا كقارئ يساوره هو أيضاً “وأنا جالس كنت أحس، بشكل لا يحتمل شكاً كبيراً، أنني جئت لهذا المكان من قبل”. شك يعود لتبعثره كلمة من ابن البلد “مصر والمغرب حال بحال”، إشارات كتلك تجعلك تعاود القراءة من البداية بروح مغايرة حتي تتلبسك الحالة التي يضعها رخا “في الطريق لهنا يختلط الخيال بالذاكرة”، وهو ما يعني أن تتقاطع وتختلط المشاهد ويندمج الناس وكأنهم واحد، الزوجة فتاة مغربية، التاريخ بالحاضر، والأب الراحل عجوز يعزف وحده وسط حلقة متفرجين، غير أن ذلك لن يبدو غريباً فهناك اتفاق سابق عقده معك الكاتب “أنت تعرف كيف تتبدل الأماكن والأشخاص”، (هل تعرف؟). وتصبح الرحلة بحثاً عن الذات في مرآة الآخر ذلك الذي يبدو في أحيان كثيرة وكأن لا وجود له “كلما حاولت أن أكلمهم أو ألمسهم، لم يجبني أحد منهم أو يحس بوخز أصابعي من أصله. كأنني هواء”. غير أن هذا ليس بالسبب الذي يدعو للتوقف في رحلة البحث خصوصاً إن كان ما يبدو ليس بالضرورة هو الحقيقة، هناك لابد من الانتباه للمفاجآت والحيل، من المهم مثلاً أن تعرف متي سيظهر الحائط غير المرئي لتمر من خلاله، ولابد أن يكون لديك من قوة الملاحظة لتعرف إن كانت تلك هي الشوارع بالفعل أم أنك تري انعكاسها، والأهم أن تكون متيقظاً حتي لا تفوت لقاء محمد شكري أو بول بولز، أو وليام بروز، إذا مر أحدهم بجوارك. رحلة تلفها موسيقي تسمعها عبر النص، يدور علي إيقاعها الناس، وتكون فيها بصحبة موتي يجوبون البيت بلا استئذان، والأسرار متاحة… فقط إن أدركت أن الوعي بالذات سخف إنجليزي. لكن علي قدر ما تبدو المغرب هكذا منفجرة بالحياة والموت أيضاً، تبدو بيروت بجانبها وكأنها غير مرئية، عصية علي الإمساك بها، ولأنها كذلك فيبدو وكأن رخا يبادلها انغلاقها، إن سرنا وراء الأكليشيه أن “المدن كالنساء” ستكون بيروت هكذا امرأة باردة لكنها تهوي مطاردة الرجال لها، وفي النهاية لن تمنح واحداً منهم شيئاً، الحياة بالنسبة لها هي تلك المطاردة دون الالتفات إلي عبثية الفعل الذي لا يؤدي إلي نتيجة. غير أن تلك الرحلة من وجه آخر تبدو وكأنها ترانزيت بين البلدين، بين المغرب والإمارات، استراحة يمهد بها المؤلف ليفصل بين ذلك العنف الرومانتيكي والعنف الذي يفرضه واقع فج شيد منظومته علي قواعد لا تعترف بالخيال.
مثير للدهشة كم يمكن للغة والأسلوب وطريقة التفكير أن تتحول هكذا، كيف يمكن للبلاد أن تفرض منطقها وإيقاعها علي زائرها. كان علي أن أعاود القراءة منذ البداية، من رحلة المغرب، فقط لمعاينة هذا التحول، كان يبدو وكأني أمام كاتبين، حالة مذهلة من الفصام. هل الخليج قبيح إلي هذا الحد؟ إلي الدرجة التي لا يعود في مواجهته سوي التخلي عن لغة مليئة بالخيال إلي أخري صريحة وواضحة. يبدو أن الإجابة: نعم. المسألة دوماً تتوقف علي قدرة الرؤية ومواجهة الواقع الخفي خلف المباني المبهرة، أن هناك “حزن أرجواني في المنتجعات”. ذلك الحزن الذي يلحظه المؤلف علي وجوه النادلات الفليبنيات عندما يختلين بأنفسهن للحظات والذي يتبدل إلي ابتسامات مرحة عند استقبال زبون. وسائل الخلاص ونسيان الواقع بالنسبة للآخرين تتحول معه إلي عنصر آخر للتصادم مع الواقع ” تصبح “المزة” التي في السيارة عبئاً بعد أن بدت وكأنها الخلاص. وتعود تفكر في حقوق الإنسان”. لا أحد يعرف أحدا، التواصل عملية محكومة بالمنطق الاستهلاكي والنفعي الذي يحكم كل شيء آخر، و”المواطنون زبائن المنتجع الغائبون إجمالاً عن الحياة اليومية، أما بقيتنا من الوافدين فلا غاية من وجودنا سوي خدمتهم”. هذا رغم انتباهه إلي أنه خلف الزي الخليجي الموحد هناك أفراد لهم أذواق متنوعة وقرائح ثائرة ليس فقط علي تقاليد يتعاطونها مثل غريق يتعلق بقشة، ولكن بالأحري ـ علي حداثة لم يصطدموا بها حتي جعلتهم فرقاء منفيين”. محاولة للبحث عن الناس والتاريخ والثقافة، لكن السياق الاجتماعي الصارم سيمنع بالتأكيد غير أنه يواصل رغبته في التفهم، لكنها رغبة نظرية لا يدعمها تواصل، وكأن كل يتحرك في كون مواز، ربما هذا ما يجعله مع مضي الوقت “أشعر بانتماء معقد للإماراتيين. كأنهم أقرباء لي أجيال متتالية وأنا مقطوع عنهم. أقرباء من البعد ـ في المكان والزمان ـ بحيث يبدون غرباء تماماً”. تلك الغربة التي يسود منطقها لتصبح القانون الأول ومعها “يصبح الحنين ملموساً كأصابع الحلوي”. لابد لكل هذا أن يصنع الحاجز بين الراوي وبين البلد، يجعله ولأول مرة لا يشعر برغبة في تعلم اللغة الجديدة التي يدور بها التعامل. والأمر يتطور إلي أسئلة حادة تليق بهذا الواقع: ما الفرق بين التحرر الجنسي والدعارة، هل يمكن أن تكون متمدناً دون أن تكون غربياً، أي من ثلاثة مفاهيم ـ الشعب، الدولة، الشركة الهادفة للربح ـ تطابق الوطن علي مساحة جغرافية، وكيف لصائد لؤلؤ اغتني فجأة أن يمارس عالميته المكتسبة؟
سابقاً كان الوعي بالذات في المغرب سخفاً انجليزياً، وسط الحياة التي لا يمكن إلا مجاراتها، إلا أنه في أبو ظبي يصبح الوسيلة الوحيدة لمقاومة السقوط في النمط الذي يسود بفعل الحال “المصريون أنفسهم يتعلمون السكوت والعزلة وثقل الدم، في الغربة.”، في مواجهة مدينة قادرة “علي نفي حتي المسجد إلي فضاء مول سبع نجوم.” لا يمكن سوي التمسك بالتفكير فيما وراء كل هذا، في “الإعمار” الذي يشوش علي صوت الله الذي محله الفضاء، في ما يحدث لنا ونحن نعتنق أفكار البيض المثالية والساذجة عن القيم الإنسانية، في أن “من يذهب إلي الخليج يسمن جراء كثرة الأكل وقلة الحراك، الأمر الذي يضمر اتهاماً ضمنياً بالتواطؤ مع الاستهلاكية البترولية و”بيع القضية”. ثم في “جدوي حياتي”، وفي معني الكتابة. ”خيبة أمل أعمق من المحيط الهندي”: سيتسرب إليك إحساسه وأسئلته. ربما لهذا عليك الحذر منذ البداية… يملك يوسف رخا تلك المهارة الخفية التي يستطيع بها أن يورطك معه.
الكتاب: شمال القاهرة .. غرب الفلبين المؤالف : يوسف رخا الناشر: رياض الريس
بلدان غير مرئية
November 8, 2009
“شمال القاهرة غرب الفيليبين” ليوسف رخا
شــتـــات الـــروح فــي بــلـــــدان غــيـــر مــرئــيـــة

يخوض يوسف رخا، بلغته ذات الجمال المتوتر المربك، تجربة ثالثة في كتابة الرحلة، ينطوي عليها كتابه الجديد “شمال القاهرة غرب الفيليبين”، الصادر عن “دار رياض الريس للنشر” ضمن سلسلة “الكوكب”. وفي حين كان قد خصص كتابا لكل من رحلتين سابقتين؛ إحداهما لبيروت (بيروت شي محل)، والأخرى لتونس (بورقيبة على مضض)، فإنه في كتابه الجديد يعرج على ثلاثة منعطفات، في بلدان ثلاثة هي المغرب ولبنان والإمارات.
الكتاب لا يبدو كتاب رحلة بالمعنى المتعارف عليه. هو بالأحرى سيرة ذاتية عبر الرحلة، تأمل الذات في مرايا الآخرين، وتمارين على اللغة، كيف تصبح متوترة. توترها ليس غاية في ذاته، بل هو انعكاس لحالة الذات، في محاولتها التعبير عن الروح، وليس النفس. ولأن الروح مما لا يمكن أن يعبّر عنه بسهولة، تأخذ لغة يوسف المتوترة في الكتاب مستويات عدة بين الغموض، والاقتضاب، والكشف الذي يصل حد التعري، والتكثيف الذي يرفع ملاءة اللغة إلى عنان السماء قبل ان تهبط، كأنها سحر، بدلالات محددة بجلاء.
يمكن تقسيم رحلات هذا الكتاب ثلاث حالات لرؤية الذات، الأولى في اختبار علاقة الزواج التي بدأت في المغرب عبر رحلة شهر عسل، امتدت ما بين الدار البيضاء وفاس إلى مراكش وطنجة، أما الثانية فهي تأمل علاقة عاطفية حسية غامضة يرتبط فيها البلد، لبنان، بكل الأسئلة الناجمة عن تعقيد تركيبته السياسية والاجتماعية. أما الحالة الثالثة فتجسدها رحلة الإمارات، وهي حال الوحدة والوحشة ربما، والأسئلة التي تتولد من مجتمع جديد لعيني يوسف رخا، تجتمع فيه الجنسيات من ارجاء العالم، فتتفاقم عزلته.
في المغرب، تبدو لغة النص متوترة، لكنها تنجح في نقل حس ضمني بالمرارة حينا، وبالألم والشجن مرات، ثم تنقلنا في مستوى آخر بين الواقع المضبب إلى مستوى الأحلام، وبحيث يختلط على القارئ موقع الحلم من تفاصيل الواقع. لكن الحلم يكتسب من الواقعية ما يرسخه، ويتحول الواقع، بغتة، لوناً من السحر. في مواقع أخرى، قد تنتقل اللغة، بتشظيها وقلقها، بين مكانين، هما المغرب والقاهرة، في مكتب مضجر في “الأهرام”. لكن المكان، بتفاصيله، لا يعني الكاتب في شيء، فهو ليس سوى ما تمرح فيه الروح بين الأمل والضجر والتأسي.
ثمة باعة حشيشة في الدروب، ووجوه أطفال مرحة في الطرق، وباحثات عابرات عن المتعة. ثمة وجوه واجمة في محطة القطار، وصوت ام كلثوم في الدار البيضاء، وبحث عن طيف شكري في سوق طنجة الداخلي، واستدعاء لدار غالية التي تصبح في وعي الكاتب كأنها بيت الزوجية، يقارنها لاحقا ببيت الزوجية الحقيقي في القاهرة. وثمة وجوه ومفردات بلسان أهل المغرب، يلتقطها يوسف رخا من هنا وهناك ويطلقها في كتابه كشظايا لا يربطها رابط، كأنها صدى متكرر لهواجس الكاتب ومخاوفه، عن الماضي واحتمالات تكراره.
الكتابة متشظية، تتداعى وفقا لما تستدعيه الروح من أحاسيس، وليس وفق منطق العقل الذي يتذكر رحلة. يتمكن يوسف رخا من هذا المنطق الجديد في الكتابة، والذي يبلغ ذروته في اللغة الجميلة التي يبتكرها في روايته الجديدة “كتاب الطغرا” التي نشر منها مقاطع متفرقة في دوريات عدة، واظن أن هذه إحدى أهم نتائج هذا الكتاب.
ملاحظات عابرة عن لغة المغاربة، وما يستغربه صاحب لهجة مصرية من مرادفات المغاربة في الحديث وفي العلامات، وعن معنى وجود النباتات في البيوت، لمن تربّى في بيت مديني للطبقة الوسطى في قلب القاهرة.
ما بدأ في المغرب، يؤدي بشكل ما إلى الإمارات، التي تبدو زيارة الكاتب لها نوعا من الهرب من مرارة لا نحتاج الى الكثير من البراعة لاكتشافها في نص المغرب، ومن اليأس المهني في القاهرة. لكن الهرب بدلا من ان يولّد الراحة المبتغاة، على الأقل من وطأة الذاكرة، فإنه يشعلها بالمقارنات التي تفرضها حالة المجتمع الإماراتي.
نص الإمارات يفتح اسئلة عديدة عن معنى الوطن والمواطنة في كل من مصر والإمارات، وأخرى عن الثقافة، المسلّعة المجلوبة المستوردة، مقارنةً بغيرها مما يثير الضجر.
في الأساس تتسع اسئلة المكان – الوطن، عبر ظلال المكان ذاته واهله، الذين يظهرون على استحياء، وعبر المقيمين الذين يشكلون نسيجا متنافرا، وعبر الذاكرة التي تستدعي المكان الاساس، كأن مصيرنا (وقد اشار الكاتب إليّ في أحد المواضع)، هو ذلك القلق المستمر بين اماكن إما أنها لا تعبأ بنا وتضجرنا تناقضاتها على الرغم من كونها أوطانا، وإما تلك التي تعاملنا بصفتنا أغرابا.
لكن توتر اللغة المبني على توتر الروح في ظني، كثيرا ما أدى إلى إطلاق احكام لا يطلقها سوى العابرين، أو الضجرين، أي أنها تبدو انفعالية اكثر من كونها مراقبة واقعية للمكان في سياقه هو، وتاريخه هو، وظروفه.
الرحلة في ما أظن، تقتضي من العابر أن يخضع لشرط التكيف واعتبار نفسه من المكان حتى يتمكن من رؤيته، وإلا مرّ عابرا، ولا أريد ان اقول أعمى.
لا أظن أن يوسف رخا كان مكترثا لذلك، فهو من بداية النص يذكّرني بجزء مما كان يردده ستلمان، أحد أبطال رواية “مدينة الزجاج” لبول اوستر مع المخبر السري كوين: “لقد تشظى العالم يا سيدي. لم نفقد شعورنا بالهدف فحسب، وإنما فقدنا اللغة التي يمكننا بها الحديث عنه. وتلك بلا شك موضوعات روحية، ولكن لها ما يناظرها في العالم المادي”.
في موقع آخر بين البطلين الغريبي الأطوار، سيعود سيتلمان الى القول: “إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم. فعندما كانت الأشياء كلا واحدا كنا نشعر بالثقة في ان كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت فوضى، ومع ذلك ظلّت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد”.
هكذا يبدو لي نص يوسف رخا، في محاولته التعبير عن اضطراب العالم وانعكاسه على مخاوفنا ونوازعنا وقلق أفكارنا، الى الدرجة التي تبدو معها الكلمات كأنها تشويه ما يتم طرحه، وتحويله ركاماً مضطرباً.
هذا بالضبط ما وجدتني أهتف به لنفسي كوصف لنص يوسف رخا في هذا الكتاب عن بيروت. لقد أربكه وضع المكان بحيث انه لم يعد هناك جدوى لأي كلمات لها معنى واضح ومستقر ان تعبّر عنه. تماما كما تبدو قصة الحب العابرة التي يعبّر عنها النص.
هل يضيف يوسف رخا جديدا إلى كتابة الرحلة أو عن البلدان الثلاثة موضوع الكتاب؟ بالتأكيد لا. لكنه في المقابل يقدم نصا فنيا تجريبيا مهمّا على تخوم الرحلة وفي قلب موضوع فقه اللغة في تعبيرها عن شتات الارواح.
إبراهيم فرغلي
![]()
ناظم السيد في القدس العربي
September 18, 2009

ناظم السيد ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ للمصري يوسف رخا: كتابة تحتفي بالمكان واللهجات المحلية وتلتبس في التجنيس
بيروت- ‘القدس العربي’ تضع كتابة يوسف رخا القارئ في حيرة. على الأقل تضع قارئاً مثلي في ارتباك. تضعني في منطقة غائمة بين حداثة هذه الكتابة وعجالتها. بين الهدم والبناء. بين الرغبة والضجر. بين الإيمان بالمعنى لدرجة امّحاء هذا المعنى وبين الاتخاذ بالشكلانية لدرجة البهلوانية. أياً يكن الوصف وأياً يكن المنطلق، فإن كتابة تثير هذا الالتباس جديرة بالنقاش والتقدير.
في كتابه الجديد ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ الصادر عن دار ‘الكوكب- رياض الريس للكتب والنشر’، يستكمل يوسف رخا الشغل على المكان. لنقل إن هذا الإصدار هو- في معنى من المعاني- الجزء الثالث للكتابين السابقين ‘بيروت شي محل’ و’بورقيبة على مضض’. في هذا الكتاب ثلاثة أمكنة رئيسية يعمل عليها الكاتب وهي المغرب، لبنان، والإمارات العربية المتحدة، بعدما كان عمل في كتابيه السابقين على مفارقات بيروت وتونس.
الشغل على المكان- إذاً- محور الكتابة لدى رخا. ثمة كتابة مستمدة من رحلات وعيش في مدن. لكنَّ الكتابة عن هذه الأمكنة (المدن) تتعدى الكتابة التقليدية عن المدن، تلك الكتابة الوصفية والانطباعية والتقريرية والتأملية، الكتابة التي تبدو كأنها صادرة عن مراسل. بالطبع مثل هذه العناصر، أي التقرير والوصف والانطباع، ستدخل في أي كتابة عن اجتماع الناس في مكان، لكن هذه العناصر تحضر عاجلة ولماماً لدى نص رخا. الأرجح أن رخا يكتب نفسه في هذا المكان أو ذاك. يكتب ليس تفاعله الخارجي مع المكان وإنما يكتب داخله. ولولا بضع جمل تصريحية عن المكان الذي يكتب عنه وبضع جمل تشير إلى لهجة هذا البلد أو ذاك، لما كنا عرفنا عن أي مكان يكتب المؤلف. كتابة كهذه ليست عائمة بقدر ما هي جوانية، ليست وجهاً مسحوب الملامح بقدر ما هي وجه بملامح خفية. هذه الطريقة في تناول المكان أظنها إضافة رخا إلى النص الأدبي السردي تحديداً.
يكتب يوسف رخا عن المكان بوصفه آخر. أي أنه يتناول المكان كدلالة إنسانية، ككائن تاريخي وراهن، اجتماعي وسياسي. المكان بهذا المعنى البطل الأول في نصه. بيروت ليست عاصمة في نص رخا بقدر ما هي مثال اللبنانيين وتجسّدهم، وكازابلانكا ليست عاصمة المغرب الاقتصادية، وطنجة ليست وجه المغرب المتوسطي أو ذراعه إلى أوروبا، ومراكش ليست جنة السيّاح، بل إن هذه المدن هي ما يحسه يوسف رخا، ما يعيشه، ما يتفاعل معه أثناء عبوره فيها إو إقامته عليها.
حضور المكان كبطل في ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ (وكذا في كتابيه آنفي الذكر)، يستدعي حضور اللهجات التي تدلُّ على هذا المكان. من ‘حال بحال’ و’طاكسي’ و’ديالنا’ و’وبالزاف’ و’شحال في عمرك’ و’مكان الازدياد’ في المغرب، إلى ‘العجقة’ و’وين بدنا نروح’ و’هون’ و’تروقت’ و’كاميون’ (شاحنة) و’يعطيك العافية’ و’فريمات’ (الفرامل) و’شوفير’ (السائق) و’بلش’ في لبنان، إلى ‘سيدا’ (دغري) و’علوم’ و’يبغي’ و’يسولف’ و’فديتك’ و’حليلك’ و’وايد’ و’تصيح’ في الإمارات العربية المتحدة. من هذه المفردات المحلية إلى تلك، ينتقل يوسف رخا. يتحوّل النص إلى احتفاء باللهجات المحلية. كأن الاحتفاء بالمكان (أو نقده) يستدعي الاحتفاء باللغة (أو هجاءها). حتى ان الكاتب يضع ألفاظاً محلية عناوين متكررة لنصوصه. كأن هذه الألفاظ مفاتيح لقراءة النص. كأن هذه الألفاظ أمكنة هي الأخرى. استطراداً: إذا كان البعض يحتفي بالفصحى فإن يوسف رخا يحتفي باللهجة الشعبية.
ثمة ما وراء الاحتفال بالمكان واللغة في تجربة يوسف رخا. أحسب أن ثمة سببين وراء هذا الاحتفال: الأول إنساني يكشف رغبة المؤلف في التماهي مع الآخر، في التحوّل إلى المكان الذي يكتب عنه، في التحوّل إلى لغة المكان الذي يكتب عنه. هذه تقنية العاشق القديم الذي كان يذهب في الآخر حتى الامّحاء. إلى حدّ ٍ ما يختفي رخا وراء المكان ولهجته ويكتب لنا من هناك. هذا ما قصدته حين قلت إن الكاتب يكتب داخله تجاه المكان، أي أنه يبتلع الأمكنة ويعيدها إلى الوجود مشوّهة بأناه. السبب الآخر للاحتفال بالمكان واللغة سبب فني. هذا الاحتفال يندرج ضمن الكتابة التجريبية التي باتت تميّز رخا. إن التنقل في النص الواحد بين الفصحى وعدد من اللهجات المحكية المتنوعة والمتباعدة، يشكل ملمحاً من ملامح هذه التجريبية.
التجريبية أيضاً تظهر في بنية ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’. نحن أمام نص سردي (روائي، حكائي، قصصي…) لا يكشف جنسه بسهولة. من الخارج ينتمي هذا النص إلى النثر، تحديداً إلى السرد. لكنَّ القراءة تكشف خلل هذا السرد. ثمة انعطافات واستدراكات وتشعبات تقطع هذا السرد. ثمة تأملات مفاجئة، وجمل مباغتة، تدخل فجأة على الإخبار (من خبر) وتدمّر السرد. بهذا المعنى فإن بنية السرد (النثر) لدى رخا بنية شعرية. بنية متقطعة، غير منطقية، مختلة الزمن، كثيفة، طفولية، أي بنية مناهضة للعقلاني. وأكثر: يحضر الشعر بشكل صريح في بعض الصفحات. حتى أن الكتاب يُختم بنص شعري من حيث اللغة ومن حيث التوزيع العمودي للكلمات على الصفحة. ويمكننا أن نعطف على هذا غياب الحدث في النص، إذ أن الكتابة هنا لا تقوم على الخبر وإنما على الإنشاء، لا تنهض على النقل وإنما على تخييل اللغة.
والحال، فإن شبهة الرواية (أو القصة) في نص رخا، مضافاً إليها البنية الشعرية، والمونولوغ الداخلي، والحوار، وأثر التحقيق الصحافي، والكتابة السياحية أو أدب الأسفار، تجعل من نص رخا نصاً متعدداً حيناً وضائعاً حيناً آخر. من جديد نعود إلى الالتباس. إلى السؤال الذي لا نعرف إذا ما كان نصف الإجابة أم ضعف الحيرة
الأكثر شطحاناً
September 15, 2009
عبلة الرويني في أخبار الثلاثاء
يأخذك ويطير بعيدا قبل اكتمال الجملة.. لا يشغله دقة المعني أو صوابه.. ما يشغله هو الترحال وبهجة السرد المبتكر..
يكتب يوسف رخا ما يخطر علي باله.. أنا أيضا أصبو إلي ذلك، لكن الفرق بيننا هو المسافة بين »باله« و»بالي«… هو أكثر خيالا وشطحانا.. فهو الشاعر أولا وأخيرا..
أصدر يوسف رخا- دون أن يتجاوز الثلاثين من عمره- ديوانا شعريا »اسم الوالد السعيد« ومجموعة قصصية »أزهار الشمس«، ونصوصا هي كتابة الرحلة والتجوال في مدن متعددة »بيروت شي محل«، »بورقيبة علي مضض.. عشرة أيام في تونس«.. ثم أخيرا كتابه الصادر هذا الاسبوع »شمال القاهرة.. غرب الفلبين« وأزعم ان كل هذه الكتب شعر خالص.. طريقته في السرد مدهشة، ذائقته خاصة جدا وخياله منفلت وشاطح.
في كتابه »شمال القاهرة.. غرب الفلبين« يتجول بين مدن مختلفة، من كازابلانكا إلي طنجة وفاس إلي القاهرة وبيروت وأبوظبي يربط الأماكن بتاريخها وثقافتها وحضارتها،ويمزج الفصحي العذبة بالعامية علي اختلاف لهجاتها المصرية واللبنانية والخليجية وتتقاطع الأزمنة والأمكنة.
لا تستطيع تماما ان ترسم صورة واضحة لأية مدينة يكتب عنها لأنه في الغالب يكتب عن نفسه.. يكتب سيرته، واسئلته، يبحث عن روحه القلقة.. هكذا يرحل دائما إلي أماكن بعيدة ومختلفة وأشخاص عديدين فقط ليكتشف ذاته.. ولا يكتشفها أيضا..!
في أبوظبي أو دولة »الستي ستارز« اكتشف »العزلة« و»الحنين« وانتهي مع مرور الوقت إلي ان الستي ستارز يعني أن لا خصوصية ولا كرامة، وأن الحداثة هي مزيد من الفرقاء والمنفيين، ولا شيء يعوض تراكم التاريخ.
ينفي يوسف رخا انه ذهب إلي الخليج مثل كثيرين قبله وبعده بحثا عن المال، ينفي بشدة وكأنه يؤكد.
يرحل إلي أبوظبي هربا من الطبقة الوسطي في مصر، تلك الطبقة التي تروج »للتدين«، و»السياحة« في مقابل »الإيمان« و»السفر«.. فيكتشف هناك في »حداثة البادية« الأصول والمصادر الاستهلاكية لتلك الطبقة المتوسطة ويشعر بانتماء معقد للإماراتيين، كأنهم أقرباء له في أجيال متتالية وهو مقطوع عنهم.. أقرباء عن البعد في المكان والزمان بحيث يبدون غرباء تماما.
وفي بيروت يخرج »جبران خليل جبران« من رأسه لينادي أبناء الفضاء، بينما كان أحمد شوقي وجارة الوادي وهوي بيروت ودفتر صغيرلتاريخ لبنان من »رياض الصلح« إلي »جعجع« ينتقلون معه من »جبيل« و»مغارة جعيتا« إلي ميدان »التحرير« و»الزمالك«.
رأسي أصابها الدوار من طريقته في السرد وجنونه و انتقالاته السريعة والمتداخلة.. رحلته إلي بيروت ممتعة احيانا، ومربكة احيانا أخري من فرط دوارها.
وقبل مغادرة بيروت يضع رجاءه الوحيد علي الطاولة في المقهي بينه وبين صديقته »ليلي«: ان يري قدميها عارتيين من الحذاء وسط الناس.. وبينما هي تستنكر ضاحكة كانت تخلع حذاءها..
تجوال يوسف في بيروت تجوال في فضاء مفتوح يطوحه الهوي!
أهداني كتابه »شمال القاهرة.. غرب الفلبين« متمنيا »أن أحسّن رأيي في الجيل..«! برغم أن رأيي ليس سيئا تماما، ورغم انحيازي للكثيرين منهم.. إيمان مرسال، علاء خالد، عماد أبوصالح، ومحمد صلاح العزب.. وربما يوسف رخا نفسه.
شمال القاهرة غرب الفلبين: سيد محمود
September 8, 2009
أهرام الأربعاء: دنيا الثقافة
رخا متورط في الخليج وسائح في المغرب وعاشق في لبنان
بعد كتابين في ادب الرحلة هما بيروت شي محل2006. و(بورقيبة علي مضض)2008 يعود الكاتب يوسف رخا من جديد الي هذا النوع من الكتابة في كتابه الجديد الصادر عن سلسلة الكوكب في دار رياض الريس ببيروت بعنوان:( شمال القاهرة غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي).. والكتاب يتضمن مشاهدات من بين رحلات للكاتب في المغرب ولبنان والإمارات العربية المتحدة.
والكاتب شاعر وصحفي سبق وان اصدر مجموعة قصصية بعنوان أزهار الشمس وله رواية تحت الطبع بعنوان كتاب الطغرى وهو من بين الكتاب المصريين المرشحين للمشاركة في مهرجان بيروت39 المقرر انعقاده في لبنان خلال مارس المقبل.
وما يميز الكتاب كونه يتجاوز المشاهدة الانطباعية وحدود التوثيق التاريخي المعتاد في هذا النوع من الكتابة, فصاحبه لا يريد عملا صحفيا عاجلا وإنما يبتغي وجود نص ابداعي بالمعني التام من زاوية قدرته علي تأمل علاقة العمارة بالناس, ومصائرهم فضلا عن علاقة النفس في تلك البلاد بالمخيلة المصرية ذاتها. ويتماس رخا في نصه مع نصوص اخري هي ابنة تلك الاماكن, فهو في رحلة المغرب يعود الي شخصيات ورموز فاعلة في ثقافتها وتاريخها بداية من زعماء دولة المرابطين وصولا الي الكاتب محمد شكري آكل الورد في طنجة, بينما يلجأ في بيروت لكتابة نصه الذي يبدو وكأنه نص العاشق متقاطعا مع نص النبي لجبران خليل جبران.
وفي رحلة في الإمارات العربية وهي الرحلة الأطول في الكتاب والتي نشرها الكاتب من قبل في العدد الاخير من مجلة أمكنة يتحول الكاتب من سائح الي مقيم ومن عابر متورط في علاقات عمومية تفرض نفسها علي رؤيته للمكان وبفضل هذا التورط تبدو لغته أكثر حميمة مشتبكة أكثر مع واقع تلك البلاد لكن لايتورط في وجود تصور شوفيني إزاء المدن الملتبسة التي عاش داخلها ولا يحرم نفسه بالمقابل من الحس التأملي والروح الفلسفية التي تختلط فيها السخرية بالمرارة بما يذكر علي الفور بما كتبه فالتر بينامين عن تحولات المدن وفي الفقرات المدونة عن مدينتي ابو ظبي ودبي الكثير الذي يمكن التوقف أمامه سيما في العلاقات التي تنشأ في مجتمعات تبدو مثالية بـ ذوبان الهويات فهو يكتب متوقفا امام نظرة الحنين التي تذكر دائما بأن المغترب مهما طال بقاؤه يظل في تلك البلاد محروما من لغته وموارده الروحية متوجسا وحيدا كالصراصير وبلغة شعرية طازجة خالية من المجاز ينحاز الكاتب لمجتمعات الريد الحضاري نافرا من ثقافة الاستهلاك وهو يرسم بشفافية عالية وجوها للعاملات الفلبينيات في الفنادق يرصد فيها ما يسميه الحزن الخرافي الذي يشعرك بخيبة أمل أعمق من المحيط الهندي.
كتاب طازه من عند رياض الريس
September 4, 2009

المغرب أبوها، فاس
كان الثلج يهطل. واحد جري علينا: قصيتونا. صوته نباح. عرفت علي الفور أنه فوجيد (دليل سياحي غير مصرح) ممن يلتقطون السياح علي أعتاب المدن القديمة. لكنني لم أفهم بم يحدثني. ماذا يريد إذا لم يكن يعرض خدماته؟ دائرة سيارات حمراء صغيرة علي لافتاتها الصفراء عبارة طاكسي صغير (هكذا بالطاء)، لا تكاد تقف الواحدة حتي ترتد أبوابها وتستدير باتجاه المدينة الجديدة.
نظرت إلي زوجتي ذات الخمسة أيام. الذي جري أصبح بيني وبينها. شعره أشعث وذقنه ذباب. لم يكد ينبح مرة ثانية حتي لحقه آخر: قصيتونا. لاحظت أنه يشبهه تماما. وكانت الزحمة تدفعنا إلي داخل دائرة السيارات حتي أصبحنا في مركزها بالضبط. انعدم احتمال ركوب إحداها. فجأة جاء ثالث، ورابع. اكتملوا أحد عشر. وكلهم علي نفس الهيئة: قصيتونا. نفس النباح. في نفس واحد أو علي حدة، بالتوالي. فهمت أنهم يقصدون أبعدتمونا. لم أدرك حتي مضوا يقلدون الشخصيات الشعبية في أفلامنا أن التاء تعود علي المصريين.
وعندما كف الثلجواختفت السيارات بما يسمح بتحول الساحة لملعب تذكرت النحيل الطويل الذي قال لي، عشية مباراة مصر والمغرب في كأس الأمم الإفريقية وكنا قد وصلنا مراكش مصر أم الدنيا، والمغرب أبوها. كان الفوجيد قد استجبدلوا بأطفال يلعبون، خيل لي أن حماسهم للإحراز أكبر من حماس أطفال شوارعنا. وأدركت أن ارتياحي للتعادل بلا أهداف لم يكن في محله…
فالنتيجة أدت دون علمي لخروج الفريق المغربي من البطولة… اعتراني خجل وخوف، جعلاني أعتزم الاستعانة بواحد من النابحين علي خوض دهاليز المدينة.

