خريف 2000
December 3, 2009

- Image via Wikipedia
سُرقت شقة شحاتة، وأنا في الآستانه: لم يقل لي أحد. وعندما عدت كانت الحملة الفرنسية تقوم في رأس أبي. فكرت أن المماليك دائماً ما يرجعون، وأنه طالما هناك وافدون من غير أولاد الناس، لا أحد يخلصنا من الاستعمار الأوروبي أبداً.
لا أعرف ما الذي دفعني للتفكير في عمل واحد أو اثنين مع الآنسة قشحويري، نفس الآنسة التي كان يهابها صديقي. ففرحت عندما تلفنت لي، لكنني تعاملت معها ببرود مبالغ.
واستنتجت أنني كنت مشغولاً عنها بأوضاع المنطقة: إن كان الباب العالي يسترد صحته دون أن يلبي نداء مصطفى كامل (الوطني) بإعادة الاستحواذ على أراضيه المصرية، كما ادعى أبي، فإنما يفعل ذلك بناء على التجارة بالهوية وتغيير الخط. ومع هذا، كنت أكن لمصطفى كمال (أتاترك) إجلالاً داخلياً لا أستطيع أن أنكره، وأعتقد أنني إذا ما كنت مكانه لفعلت نفس الشيء.
راح من شحاتة تلفزيون وفيديو ومروحة، كذلك كاميرا حلوة وألفا جنيه. فحسدت الآستانه على استقرارها.
وفي المعمعة الدائرة ما بين عمارة مدبولي (صاحب المكتبة) والدور الخامس من قصر العيني الفرنساوي (حيث رسا الأسطول الاستعماري أول ما رسا)، اكتشفت:
أن شيئاً لا يجذبني إلى الآنسة قشحويري سوى أن صديقي يهابها؛
أن أولاد الكلب أصبحوا متآمرين، وأنهم، ضاربين عرض الحائط بأراضيهم المصرية، سينضمون للاتحاد الأوروبي على آخر الزمن؛
أن أبي بصدد واحد أو اثنين لن يستطيع أن يعملهما مع الممرضة الشقراء؛
وأن شيئاً من هذا كله لا يعنيني مطلقاً.
في الطريق إلى مقهى سأقابل شحاتة على عتبته، فكرت أننا هنا، وعلى الرغم من كل محاولات التجارة بالهوية، لن نتمكن أبداً من تغيير الخط
Grass-roots night life in Cairo is photogenic in a unique way. While some may think its charm is in its exotic qualities, the truth is that such sights, to the wandering Cairene, are more or less commonplace.
It is their strange, gritty beauty that you are after – a beauty in which you tend to recognize less visible aspects of yourself, your ancestry, the collective memory of your society.
The whole process is always rewarding enough so long as something of the character of the subjects comes through: the ancient electric fan keeping shisha coals aglow, for example, typifies the small downtown hideaway of a café in which it was taken in a particular, immediate way.
So does the smile of Karam, that café’s amiable ahwagy, a character worthy of a book-length photo essay in his own right.
Many have commented that the picture of the tea house, taken in Gamaleya, not far from Bait Al-Sehiemi, towards the end of 2002, looks like it belongs to a bygone age, an age before electricity. In fact the only light source in the picture was a 60-watt tungsten bulb located above the central figure’s head outside the frame.
(cairolive.com)
Related articles by Zemanta
- City Stroller Photo – Cairo – souk (liveactivecultures.net)
- sleep deprived… (bellylorna.blogspot.com)

سفر الوجوه
November 12, 2009
سَفَر الوجوه

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»
ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه. فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟
شيء في صورة البطاقة يشعرني أنه نفس الشخص، بيقين متزايد: سحبة الخدين على بشرة خالية من الشعر، ربما، أو تفصيلة في علاقة الحدقة بالشفاه تنقل إحساساً كلاسيكياً بالشجن. في التواءة الفم، تدريجياً، يمكنني أن أرى كل شيء: سقوط النظرية وإخفاق الحب، قابلية تحول المرارة لاستجداء… سلوك طفيلي، ذلك الأخير، يريحه من الأعباء اللحظية بإحالتها على أمي ويبديه ضحية. أعتقد أنه أتقن الدور لدرجة الالتباس. أصبح ذلك الشخص-الضحية بالفعل. ومن ثَم الاستطراد الدائم، بنفاد صبر (يستند إلى أن في جيبه تشخيصاً بالاكتئاب المزمن): «أنا مريض»… بوادر التعبير الذي عقّد مراهقتي، بعبارة أخرى: انتظار الموت. يمكنني أن أرى، بدقة، نموذج الفرد المسيّس أيام جمال عبد الناصر. لم تبق هواجس التعذيب والتجسس مسماراً في حذائه بالضبط. صار دوامها، بالأحرى، أشبه بملابسه الداخلية. وتحولت من الألم النبيل الذي يطالعني في البطاقة إلى ذلك التشنج المدبب في الوجه، ذلك البله الظاهري الملازم لانزوائه. في التواءة الفم – أقول – مساحة للنظر إلى صورة البطاقة، ليس باعتبارها نسخة من ذكرى أبي، ولكن كرمز أقل بشاعة لما تدل عليه. في النظرة الحالمة نفسها، ألمح وجعاً لم يكن ليقترن بالتذكر. ومع هذا، يؤدي التجريد – تجريد الأبيض والأسود، أيضاً – لمواجهة أعنف أثراً من صورة كارنيه نادي الصيد، مثلاً، حيث الألوان وتزامن اللحظة وتطابق مزعوم مع الواقع يعكس الصورة الذهنية، على السطح. حضور أبي يتضاءل، في تلك الأخيرة – على الرغم من أنها تقنياً أقرب إلى واقع ذكراه بالفعل، وهو التناقض الذي يؤكد إيماني بأن البورتريه في جوهره اختراع أو تخيل – ما يؤدي، في النهاية، إلى تعريف ثانٍ: أن أجفل وأنا أنظر إلى صورة مختلفة عن مرادفها الذهني، يمكّنها اختلافها من أن تجعل ذلك المرادف يوجع.
«العيان يغني عن البرهان» ابن عربي، «رسالة لا يعول عليها»
البورتريه – وهي فكرة حاضرة في كتابات رولان بارت وأحاديث رتشرد أفدون – أقرب إلى لقناع من انعكاس الوجه في المرآة. في صورة البطاقة قناع مجرد من اللون والملمس – مجرد، أيضاً، من أي دليل على الوجع – يحمل كل أسباب التعرف على أبي. ولا شك أن لهذه الحقيقة صلة بأنني عادة ما أتطلع للبطاقة – ليس لكارنيه نادي الصيد – كلما راوغتني ملامحه. هكذا أفضّل أن أراه؟ فقط – أحس – هناك فرصة أكبر لاجترار معرفتي. لسبب أو آخر، بالإضافة، تبدو حقيقة الخبرة أوضح على مسافة. أتذكر، وأنا أنظر لصور أبي الأبيض وأسود، بالذات، أن هذا هو الأثر المادي للضوء الطالع من وجهه، في لحظة ماضية. وببراءة أعيد اكتسابها كل مرة، أستوعب أن الضوء – أثر الضوء على أسطح معالجة كيميائياً – هو كل ما يبقى من جسده، فوق الأرض. فن البورتريه (أو هكذا يقول أفدون) هو استعراض، وكأي استعراض، في توازن تأثيراته يظل إما جيداً أو سيئاً، ليس طبيعياً أو مصطنعاً. أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن تكون هذه الفكرة مزعجة – أن البورتريه ليس سوى استعراض مختلق – فهي توحي بأن نوعاً من الصنعة يداري حقيقة الشخص المصوّر. ولكن الأمر ليس كذلك. أنت لا تستطيع أن تبلغ الجوهر، الطبيعة الحقيقية للشخص الذي تصوره، عن طريق إزالة السطح. السطح هو كل ما عندك. ولا يمكنك أن تفعل أكثر من أن تعالجه – الإيماءة، الرداء، التعبير – على أن تفعل ذلك بشكل جذري وصحيح. كونها تسجل شيئاً رهن لحظة التسجيل – عند بارت – الصورة الفوتوغرافية تبقى مرادفاً للموت. تشغلني هذه الفكرة، ليس بالرجوع لصور الموتى (أبي)، ولكن من زاوية أن الفوتوغرافيا، وبطريقة تميزها عن التصوير الزيتي، مثلاً، تحمل سمات تحقيقية، فكثيراً ما كان يؤكد أفدون – في وجه انتقادات «ضحاياه» – «أنت كنت هناك، لا يمكن أن تقول: ليست هذه صورتي.» الصورة أثر مادي، ليست مجرد تمثيل ذهني. ولكنها، وبنفس المنطق، تتعامل مع أشياء من الزوال والهشاشة بحيث لا يمكن أن تنطوي على حقيقة ثابتة. تبقى «عياناً» – بلغة المتصوفين – خلاف «برهان» العلم الديكارتي. أقصد أن حقيقتها شيء يُحدس أو يُحس، ثم يُؤوَّل، ولا يمكن إثباته أو نفيه. الخلاف بين الصورة الذهنية لأبي وصورة بطاقته الشخصية، إذن، لا يجب أن يقسم خبرتي البصرية به إلى ضدين. على العكس، لعل الخلاف مجالاً لـ(إعادة) النظر أكثر وأكثر. اجترار معرفة اكتسبت مصدراً جديداً وغير متوقع (رومانسية النظرة). فالشيء الوحيد المؤكد، على السطح الفوتوغرافي، هو ذلك «الوهم» الذي يصفه أفدون: «هذه التدريبات، هذه الاستراتيجيات، هذا المسرح الصامت، إنما يحاول أن يوجد وهماً: أن كل ما تجسده الصورة حدث بالفعل، أن الشخص الموجود في البورتريه كان دائماً هناك، لم يقل له أحد أين يقف، أو يشجعه على إخفاء يديه. أنه، في النهاية، لم يكن حتى في حضرة مصور.» أما البقية ففضاء مفتوح لتأويل الناظر (وطبقاً لمقدار وطبيعة المعرفة التي يجيء بها إلى البورتريه، من قبل أن ينظر إليه، سواء كانت معرفة بالشخص الذي تم تصويره أو بالظروف المحيطة به، بالمجال الذي صور فيه، مثلاً: مجتمعه، أو غرضه وغرض المصور من الصورة).
كانت مُعلمتي الفوتوغرافية الأولى – وتخصصها البورتريه، رغم أنها أتت إليه من خلفية صحفية – تؤكد أن معرفتها بالشخص الذي تصوره دائماً ما تؤدي إلى صورة أفضل. الكاميرا – تقول – من السهل أن تتحول إلى عائق يحول دون التفاعل الإنساني بينها وبين شريكها في العملية الإبداعية. إنها تصور بعينيها وقلبها، وبعقلها أحياناً، من قبل حتى أن تزيل غطاء العدسة استعداداً لتعريض الفيلم. على أن معلمتي هذه كثيراً ما كانت تختزل المعرفة المطلوبة إلى ساعة أو ساعتين هما مدة لقاء صحفي، بحكم ظروف عملها، الأمر الذي زرع في نفسي شكاً مبكراً في جدوى كلامها على امتداده المنطقي. صدمني، فيما بعد، أن أقرأ حديث أفدون عن أن أفضل بورتريهاته هي لأشخاص لا معرفة له بهم خارج لحظة التصوير. أنت تصنع (بدلاً من أن تأخذ) صورة – كما تقول معلمتي – لكنك لا تملك من مادة خام (في هذه الصناعة) سوى سطح متغير، قد يساعد على إثبات أو نفي فكرة تريدها – أن الجبهة العريضة دليل الذكاء، مثلاً، أو أن الفقراء ملابسهم مهترئة – لكنه لا يفعل ذلك إلا مصادفة، خارج السياق «المحايد» للعملية الفوتوغرافية. ومن ثم يعالَج بتقنيات – مهما كانت بريئة – ليس من شأنها أن تتفاعل مع المعرفة الممكنة. المهم هو إلى أي حد يمكن أن تكون محايداً؟ وإن كنت محايداً لحد يبرر خطاب التفاعل مع الواقع – في مقابل خطاب مقاربته بالرأي الذاتي والخيال – فلماذا تريد أن تصنع صورة أصلاً؟ المهم – أقول – أن تؤدي الصورة وظيفتها، ما بين التوثيق الرسمي (في العمل الجنائي، مثلاً، أو في بطاقة أبي العائلية) والتواصل البصري. وفي كل مرة تؤدي فيها واحدة من هذه الوظائف، على حد قول بارت، تصبح الصورة موتاً آخر للحظة أخرى، أو رسالة نبوية من عالم آخر مستقبلي. أعتقد أن اهتمامي بالبورتريه ينبع أساساً من هذه الفكرة…
«لا تدرك الأبصار الهواء لكونها سابحة فيه»، ابن عربي، «رسالة إلى الإمام الرازي»
قبل أن يخطر لي موت أبي كاحتمال فعلي، ونتيجة اقتراح عابر من قبل المخرج المسرحي حسن الجريتلي، قطعت مسافة كيلومترين أو أكثر قليلاً من بيتنا خلف ميدان الدقي إلى قاعة أفق-1 بمتحف محمود خليل – مشياً – لأنظر إلى مجموعة بورتريهات قديمة. لم أكن أعرف عنها ولا حتى اسمها المصطلح عليه – «بورتريهات الفيوم الجنائزية» – ولم تكن نظرتي محملة بغير ادعاء شاب لم يكد يمر بمراهقته الصعبة، ذهب – بناء على نصيحة «فنان» أكبر يرعى موهبته المفترضة – ليتعاطى «الثقافة» في متحف. لكن الحدث الناتج عن رحلتي القصيرة تجاوز النص الذي كتبته إثر ذهابي (حيث تحايل أبي الروحي علاء الديب على تبويب مجلة صباح الخير ليجد له مكاناً فيها). كان حدثاً، كما ثبت، بغض النظر عن النص. فهذه أول مرة أقدر الفن التشكيلي بالعيان في مقابل البرهان (إن أردت). ظلت تطاردني بورتريهات هوارة – والصورة التي تكهن المؤرخون بأنها لمصري يدعى ساراباس، على وجه الخصوص – لدرجة أنني خفت منها، في الشهور التالية. وبال٫ات بعد أن عرفت أن الغرض من رسم هذه البورتريهات أن توضع داخل الخرطوشة التي تحفظ المومياء في مكان الرأس. لم تكن فكرة الرحيل عبر الزمن – ولا حركة المشاعر من الاستغراب والتربص إلى الصحبة والسكينة – تعبر، مع ذلك، عن التجربة. في القاعة المظلمة – كانت خالية تماماً عندما دخلتها، فاختلط خلوها بالجو المكيف والتصميم الحديث ليشعرني أنني في مركبة فضائية – لم يظهر شيء. خطوت بحذر بين حوائط منسابة حتى اضطررت للاستدارة. وبطرف عيني لمحت بؤرة ضوء، فجأة: كان شخص ينظر إلي بعينين كبيرتين جداً، مفتوحتين فيما يشبه العتاب. وهكذا ظلوا يطلون من مستطيلاتهم المضاءة، كأنهم يتابعونني بعيونهم. وكلما نظرت لأحدهم أشعر، بيقين لا يمكن أن أكون قد اختلقته، أن هناك أحداً معي في المكان. شخصاً من لحم ودم، راعني أن يكون قد عاش منذ أكثر من ألف عام. ففكرت في تاريخ بورتريهات هوارة: قرن ونصف – تقريباً – لا يعدو أن يكون لحظة عابرة. شيء استثنائي بالكامل… أن يُستبدل هيكل الوجه المفرغ على خرطوشة المومياء – القناع ذا الملامح الموحدة – بلوح خشبي مرن، فوق سطحه نماذج على آخر تطور للمدرسة السكندرية «الطبيعية» في رسم الوجوه. (عرفت، مؤخراً، أن معلمي هوارة يقفون من العبقري الإغريقي أبلس موقف التأثيريين من النهضة الإيطالية)… ولا يهم، في المقارنة بين الفوتوغرافيا والرسم – وعلى سيرة الموت، بالضرورة – إلا ذكر النظرية القائلة بأن البورتريهات أنجزت بالشمع الساخن، الأمر الذي يستدعي من السرعة في الأداء (بالإضافة، ربما، إلى استخدام عدسة تعكس الضوء على السطح الذي يعالجه الرسام) ما يوازي مدة التبادل في إحدى «جلسات» أفدون أو طلعات معلمتي الصحفية، وبغض النظر عن كون هؤلاء المعلمين يؤمنون، مثل الأخيرة، بأهمية التعرف على الزبون أو لا. المؤكد أن أحداً منهم لم يكن يعرف زبونه. لكن الأهم من كل ذلك أن هناك اتفاقاً عاماً على أن قوة تأثير البورتريهات تكمن، ليس في مطابقتها الفوتوغرافية للواقع – وإن كانت تقاليد أبلس قد ساعدت على تحقيق واقعية باهرة – ولكن في اعتمادها لوحة ألوان رباعية لتحقيق درجة من التجريد جذرية وصحيحة، تماماً كما تنبع قوة البورتريهات الفوتوغرافية من كونها تعتمد درجات مشابهة من التجريد، سواء من خلال اختزال الرؤية إلى الأبيض والأسود أو معالجة السطح الذي هو موضوع الصورة – الإيماءة، الرداء، التعبير – الأمر الذي يعقد في ذهني صلة وطيدة ما بين حدث الذهاب إلى متحف محمود خليل والانبهار بأعمال نادار وأوجست ساندر ثم أفدون، ضمن أسماء أخرى (وعلى الرغم من أنني لم أر من تلك الأخيرة إلا نسخاً أنجزت على خط إنتاج طباعة تجاري، تبعد في معظم الأحيان عن الأصل ببضعة أجيال). البورتريه، إذن (سواء أنجز بالفضة أو الصبغة المذابة في الشمع أو الزيت): أن أشعر بشخص ميت معي في الغرفة، وأنا وحدي هناك.
عزيزي ساراباس
ظللتَ معلقاً على حائط غرفتي شهوراً فمتى أُزلت؟ لا أذكر. لم تكن سوى بوستر رخيص، في النهاية، حمل شيئاً من هيبة وجلال موميائك رغم كل شيء. أفدون يقول إن تاريخ الفن هو أيضاً تاريخ الأزياء – على سبيل تبرير عمله التجاري – فهل كان رداؤك الروماني «على الموضة»؟ متى أُنجزت صورتك؟ كيف عرفت أن تنظر إلى الرسام بذلك المزيج المثالي من الحضور والغياب؟ لعله كان صائماً حين أقبل على عمله – فمن عادة تلك الأيام البعيدة أن لا يدع الفنان شبع الطعام يحول بينه وبين المهمة المقدسة التي هو بصدد إنجازها – ولعله تمكن، وهو ينظر إلى نضرة وجهك الذي يبرق بالحياة، من الولوج إلى جمجمة محنطة. منذ أول لحظة وعيناك تقولان: أنا هنا. هل يفرق معك إلى هذا الحد، أن أتعرف عليك؟ لا شك أنني كنت أفكر فيك عندما ألّفت لصديقي السينمائي مقاطع مستلهمة من النصوص القديمة، حتى يدرجها في عمل وثائقي عن وجوه الفيوم. هل كنت على حائط غرفتي حينذاك؟ كنت أعرف أن عبقرية نادرة حفظت منك الدليل، وأنت ميت. أصبحت صديقاً حاضراً وأنت، بالمعنى الحرفي، تراب. كنت قريباً جداً، لا؟ وتأكد أن المسافات الزمنية، مهما طالت، لا تفصلنا عن بعضنا البعض بالقدر الذي نتخيله.كل هذا الحزن والإصرار في عينيك. صدقني، يا ساراباس (وحتى إن لم يكن هذا اسمك، في الحقيقة): لقد عرفتك جيداً.
زليخة
July 20, 2009
*
ناءت عانتها
لا لأن زوجها عنين
فالصبي الذي يهجع إلى حضنها
نصف ابن
الصبي الذي يناوش الكمال
في نموه
هشّم الخيال بوعد لذة
دونها الموت نفسه
ناءت
لأن عرقه المنساب
في سرتها
حِمل كالمصير
*
بشهوة كالأمومة
وهو نائم
تلعق القذى من عينه
كأن أنفاسه شعر مجعد
يمسده أنفها
وكعطشان غُلّقت شفتاه
حول صنبور مدور
تحلم بالعبّ
من شفتيه

عبد الهادي الجزار: عارية
يماني يتعلم الكلام
July 14, 2009
ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.
كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.
يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.
أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

مساء الخير-١
June 24, 2009
مانهاتن

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن
«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي
«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض
ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.
كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.
أهتم بجسد فتاتي الأمريكية ربما أكثر من ذي قبل، لكن كمن يضغط أزرار ماكينة تنتج البلل واللدونة. شهقاتها كأنها كركرة محرك السيارة وعصف الهواء وأنت تسرع على طريق خاوية: وشائج التحكم في متعة القيادة. وحين تعقب المضاجعات سگاير ألفّها لي وحدي (فتاتي لا تدخن)، كنت أستشعر هوة مروعة أسفل السطح الذي جمع جسدينا. فأعاجل بجعلها تتأوه من جديد. كأننا في صندوق مختوم بعبارة «قابل للكسر». لا أدعه يتعطل لحظة عن الاهتزاز. إذا بكت وقالت إن كثرة المضاجعة أنهكتها، سأغادر إلى حيث يمكن أن أستمني دون أن أشعر بشيء.
فقط لا أنسى أن هذا يحدث في اليوم التالي على ابتلاع أقراص الإكستاسي (ليس وحدي، ولكن بلا فتاتي)، شرط أن يكون الحشيش جيداً وهي في مزاج شهواني. الإكستاسي من شأنها أن تشحذ حاسة اللمس وتدرأ الوهن إلى ما بعد زوال الحبور. لكن مع مرور الساعات، يحل بالجسد خواء كأنه تجويف خلفّه انخلاع ضلع ضروري.
حينئذ أوقن بفقدانها: الشرخ أوسع من أن يُرأب دونما أعود أدراجي عبر أنبوب أنسحب خلاله منذ خمس سنين. هذا الخواء سيستتبع حشيشاً أكثر، والإفراط في الحشيش يؤجج الشوق للإكستاسي. بعد وفاة أبي، حدست أن الحال مع فتاتي مثال على علاقتي بالعالم. وجع التعميم. ما عاد بوسعي إنكار أنني في سيارة لا أسيطر على سرعتها. لهذا، لأنني أوغلت حتى فقدت النطق، لأن المتعة الخرافية ما عادت تعوضني عن الناس، كان لابد أن أكف. واليوم، بعدما زالت الأقراص وتبخر كل قنب العالم، بعدما صارت الأمريكية تلك تهويمة تقلها أجيال من الذكريات، يحلو لي ادعاء أن انقطاعي عن الكيوف حدث بإرادتي.
فقط فجيعتي في مسكّن الفجيعة لا تترك شكاً أني اضطررت، جبراً وبأقسى سبيل محتمل، للكف عن الحشيش.
فتاتي المسكينة.
لو لم تقترن بضاضتها بمشهد أبي المتخشب ليلة الوفاة! وحده الإمتاع المجرد يدوزن الشهور السابقة على أيلول ٢٠٠١، أيلول نهاية العالم. يومذاك، قبل أن أعلم بشيء، سأفيق على طائرتين مارقتين تخترقان أعلى توأم معماري في دماغي، عاصمة الوعي.
يبدو أنهما تنفخان من جنباته مناطد الدخان الأسود المحفوفة أواسطها بالنار، غير أن البرجين والبناء الصغير الذي يتوسطهما تتفجر كلها من الداخل، تنطبق على نفسها في تكوين يشير إلى هدم منظم بالثيرمايت («نقبه على شونة» الشيخ أسامة).
مشهد الطائرتين ليس سوى تمهيد سينمائي لانهيار سيكلفني، بموازاة الأحداث، أكثر من حرب على الإرهاب. لقد رأيت الشعب العائش في رأسي يفنى. الناس بحجم حبات السمسم تقفز إلى حتفها المحقق من فرجات النوافذ. والمادة الرمادية قبالة جمجمة السماء من أسفل كأطلال البرجين التوأمين تبتلع أجسادهم (وكنت كالأجهزة السرية تماماً، أدبر للقتل الجماعي وأدعي اللاوعي، أبحث عن شياطيني المذنبة في ضمائر الآخرين). قبل أن أعلم بشيء، كان اللهب يتشبث بالثياب، والأسطح ترتج وتتصدع. السماء تنشق عن سواد مؤجل منذ مصرع الرجل الكبير. لم أُرهَب في حياتي بمثل هذه الحدة. الأحباب المقيمون عندي لا أكاد أتعرف عليهم من فرط ما شوههم الهدد. سألاحق المجرمين. (المجرمون الوهميون في كهوف الجبال البعيدة.) مثل هولاگو سآتي على بغداد. السمسم كله إن لم يكن معي فهو علي. كان يجب أن أنتبه لما يصير للشعب في غيابي. أعتني به. أحبه…
كل الأفق هلع وتراب.
حتى العراف الزنجي الراقد في قورتي منذ فطنت لضرورة المراجعة، هو الآخر فط جزعاً يروم الهروب. لعلني سمعته يتنحنح بصوت ما عدت أطيق غلاظته، أو تشوفت قبحه عن قرب لأول مرة منذ زمن طويل. زعق في وجهي بأنه ممتن لنجاته وعلى الفور شرع يتنبأ: تتوالى القذائف على أفغانستان ويُشنق صدام حسين وتُحرم النبات الذي تحبه. تركته يلوذ بالدنيا الواسعة من مخرج مائي أسفل عيني. لكنني مثل عجوز يلعن مُنجّم صباه الذي كاد ينساه، بعدما يتأكد من صدق تكهناته، سأعرف في الشهور التالية أن العراف كان على حق. وبنزق وجبروت المحافظين الجدد، أقاطع الأمريكية وتاجر الحشيش الصعيدي الذي أخلص لي طوال مدة ارتباطنا، رفاق الإكستاسي وبائعي البانقو. سأمر حذاء سراديب الغورية كآثم لا تسعفه قدماه على ارتياد محفل الاقتراف.
وعلى خطى هانم تتخفف من مصاغها، أتبرع بقطع ممتازة وأقراص غالية، مسحوق كأنه ذهب مطحون في الأكياس، وعبوات صغيرة مصفوفة بعناية: ثروة من الكيميائيات. سأرد الحقوق لأصحابها – مايستتبعخلافاتومآرب–ودونما أخبر أحداً بأمري، أقفّل الحسابات.
كمن يبتر ذراعه مكابراً بعدم حاجته إليه، سأختار كومة زبالة على وشك الزوال بالقرب من رصيف بعيد، أدفن في أطلالها علبة جميلة من خشب الصندل العطر منشأها فاس، كنت أحفظ في تلافيفها كل عدتي ومتاعي: الكيوف وورق البفرة وماكينة لف السگاير وقطع الكرتون والأكياس. بحركة واحدة هادئة في ذيل مشوار تافه، سأودع خمس سنين من عمري قبراً أقرب من مكان ما رأيت أبي ملفوفاً في القماش الأبيض. لكنه، عكس جبانة البلدة النائية، لا يمكن الرجوع إلى زيارته.
عشية الحادي عشر من أيلول، كانت القاهرة تشمت على استحياء في نائبة مانهاتن، عاصمة الدنيا.
وبدا لي أن التاريخ مجرد تمثيل باذخ لوعيي. حين أنظر إلى مفاتن فتاتي، أرى أبي ممدداً في جلبابه يلفه صمت وتصلب لم يبق معهما شك –لن يجيبني إذا وجهت له الكلام.
اليوم، رغم ارتباط الحشيش بالشبق، أجتهد لأتذكر من هذه الفترة أي شهوة. لا شيء سوى الانضباطعلى قضاء وطر بالغ الجفاف. جسم لا تولّد ألفته الأمان. وعاء خوف، بلا مودة. وبين العمل اليومي المسموم و«القعدات» التي ما عدت أنتظرها لأمارس طقوس التدخين (كما ينبغي) وسط حلقة أنس تبرر ترف البطء والسكون، يلهيني تلاحق المضاجعات عن هوة أنبأني عراف زنجي بحجم حبة السمسم أني أتهاوى إلى أعماقها في القريب العاجل. هواء عابر أنبوب الغياب، هكذا سمعته يتمتم من مضجعه الآسن في قورتي. أن أرقد من جديد على البوابة. بدأت رحلة الرجوع في الأنبوب.
وإن تعاطيته بمنطق الفناء، الجنس ليس غاية في حد ذاته… يومذاك لم تكن قد تراكمت في جوفي ذخيرة الروائح والتقاطعات. لم يكتملمعجم التنهدات وصرخات النشوى، أو يُتقَن تأثير تعديلات الوضع والحركة على إيقاع الزفير. تقديري الاستثنائي لسحبة القدم وميلي للألم المقنن كلاهما في موضع الاستشراف (أمارسهما من بعد كمن يسترد إرثاً مسروقاً أو يبصر محيطه بوجد بعد انجلاء الدخان). فبدا، بحسب الذاكرة الخائنة، أن كل خطوة أقطعها فتح جديد لجيوش دولة الحياة. لماذا إذن، في الاستعادة، لا يخالجني حسالمغامرةأوالاكتشاف؟
أجتهد لأسترجع جسد الأمريكية التي شهدت خبرتي الأولى بانتهاء عمر (لم يكن الموت قبل أبي سوى إعفاء عادة ما يكون محموداً من مسئولية اللقاء بالآخرين). خارج المخاطرة المعطوفة على ابتياع الكيف، لا شيء سوى زهوة السيطرة على جسد لا أحسه لي إلا في حدود ما أسيطر عليه. ولا تعبير عن هوية. جسد منزوع الروح، يتأود لأصابعي المدربة حديثاً كسيارة أقودها على طريق خاوية فأنتشي بكركرة المحرك وعصف الهواء. ومن المضاجعة تحت التأثير حتى الإياب التدريجي إلى حيث عادت اللذة مناسَبة للمعرفة بالوحدانية، تترامى كثبان المعاناة.
بين أيام الحشيش والآن، كل الأجساد فاترة وبعيدة.
وحده حاضري الجنسي يحضرني، مع صغيرتي التي أحبها، حيث بهجة توحّد البدن والدماغ. لأنني، في زهو أعيدت صياغته، أتملك روحها. بتطبيقها على صدري أسترد ضلعاً ضرورياً فقدته حين جئت الحياة. اليوم، بعيداً عن الذكرى الملتبسة، أستحضر اللحظة المعجزة حين رأيت جسد صغيرتي التي أحبها. عراء كالقرنفل. لحظة تتمثل ببهاء باهر.
أستثمرها في التأكد من أنه، خلاف الرهبة والفجيعة والإمتاع، لايزال في الدنيا سطح يمكن أن يجمع جسدي بآخر. أسفله صلب. ومعمار دماغي الرابض فوقه غير مهدد بهجمة إرهابية. أنفاسي أنفاسها. عضلة قلبي تضخ الدم في أوعيتها. أقول «أنتِ لي»، دونمايأسرنيسلطانالتحكم في جسد لا يهمني من حضوره سوى تعدين المتعة المتاحة. ثقلي فوق لحمها الخفيف كالأسود على الأبيض في صورة فوتوغرافية تتبدى معالمها أمام عيني. جيلاتين الفضة. وحين تجاور ذَكَري يدها الصغيرة كسمكة شبار تتراقص على الشاطئ، تغدو ذاكرة متحركة يحدوها تطور التفاصيل.
اليوم حياتي كلها شوق مشروط بالفراق. أموت كي لا يبرحأنفي أريج جلد الصغيرة!
بعد أن كففت عن الحشيش، أصبح تحميض الأفلام التي أصورها ضمن ضروب العلاج. أن أجعل لي آية. في وحدة الموجوداتالتيأرتد إليها مثل حيوان زاحف يتسلق الهرم الكبير،كأننيالربوالنبي معاً. وعلى درب تتدرج إنارته، هكذا، تجلت المحسوسات لوعيي الضامر في غياب مثيرها السحري. قبل بضعة أيام كان كل شيء فاتناً وكثيفاً، والآن لا شيء سوى فزع وغياب. انكسرت عيني. تعلمت أن أهجع إلى مساحة ضيقة غائصة في سوائل التظهير والتثبيت، رفقة مكبر متهالك أطبع عليه نتاج الأفلام التي حمضتها، نور أحمر ضعيف يدثرني.
وتتالت محسوسات أُشرف على نقلها من واقع بالكاد أحتمله إلى الضوء الثابت على ورق سميك. فضة زائلة. بتؤدة جنونية، آبت الشهوة إلى جسدي. كنت أتخبط، مع صف من النساء اللائي عرفتهن في هذه الفترة، أستكشف سبباً آخر للذة. الطاقة فيّ، لكن لا جبر في متعتهن، ولا آخر للشعور بالكسر. مرة بعد مرة أزايلهن إلى نفس الصورة. لعلني أستجمع الخبرة المبتغاة. بعد عمر آخر، لأُرضي الصغيرة. لعل الانهيار ضروري ليفوح أريجها.
ليس سوى حور عين، للشهداء. ولأن هذا ما صار معي، عملياً، بالتزامن مع أحداث أيلول الأمريكية: حين اضطررت للكف عن الحشيش استشهدت (أو انتصرت، ما الفرق؟) لم أتجاوز انهيار الأبراج الثلاثة فحسب، بل سارعت بوقف إطلاق النار في حروبي الجائرة على الإرهاب. سامحت أكثر من مجاهد بحجم حبة سمسم لمّا اكتشفت أنهم – حتى هم – يعملون لصالح المخابرات المركزية. وتحول شكل خريطة مانهاتن المألوف منذ أيلول ٢٠٠١ من شارة عذاب واقتتال إلى لواء انطلاق صادق.
أن أعترف، وقت أكون تعيساً، بحقيقة تعاستي.
مع الوقت، وأنا لأول مرة أحترم فجيعتي في أبي، وأتخذ من الطقوس المحيطة بالحشيش دون الحشيش نفسه سوقاً لتجارتي الجديدة، كأنني أُبعث عبر جهنم الانهيار والتوق الأخرق – مدة وجيزة تستبقها الرحمة – إلى فردوس لا تعتمد لذّاته على غير وعيي. وفرحت أن وعيي بريء براءة صغيرتي التي سألتقيها. كولد يتعلم المشي في غياب أبيه، كنت أعيد اكتشاف طعم السكر ولسعة البرد، طرب الموسيقى والنغم العفوي الذي تعزفه أصوات السيارات في المساء، ملمس الماء على الرأس ودفعة الحماس التي تجلبها القهوة. كل شيء جديد ومخيف، لكنه بديع على نحو دائم يجعله أقرب إلى الجنة بما لا يقاس. وأنا كل بضعة أشهر يهيأ لي الصعود إلى روضة أعلى.
أحسب فردوسي جزيرة أشبه بمانهاتن نيويورك، لكن رياضه درجات مثل طوابق توأم معماري سامق. وأنا ساكنها المنتقل من دور إلى الدور الذي فوقه، من انتصار تدمغه نهاية علاقة إلى انتصار لا يخلف شعوراً بالانخلاع، لأن شيئاً لم يعدني بالتئام في البداية، وإن كنت أخاطبهن دون نية بنفس اللغة. قبل شهور كنت تحت الأرض حيث المعدن المشتعل السائل (دليل استخدام الثيرمايت).
الآن رياضي الفردوسية مصفوفة عمودياً، لا أشعر بمسئولية كبيرة تجاهها. والأجساد الوافدة رغد جزائي. بضع لحظات فقط أحملها في رأسي، نادراً ما يتكرر فيها جسد سواي:
- فتحة الساقين التي تبرز فرج واحدة خرجت منها لتوي ونحن راقدان «خلف خلاف» حين لهاثها طلباً للمزيد: «أنا هأفطس».
- الانحناءة الفجائية لأخرى ضخمة تناولني مؤخرتها ونحن واقفان بثيابنا، ونفاد صبر مجرفتي آيس كريم الفانيليا بالفريز العملاقتين المنفلتتين من جينزها الأزرق نحو عانتي.
- خنوع وجه ثالثة خمرية إذ تجلس فوقي، تستمتع بتسول ذروتها وهي على وشك الحدوث؛ لا تنفق حتى أصفع وجهها فعلاً على سبيل الإيذان باللذة.
- أو شهقة رابعة حين أجعل ركبتها عند ثديها وثقل جلستي الجانبية يثبّت ساقها الأخرى مفرودة…
عرفت أنه، من غير النبات الذي أحبه، ما كان شيء ليبقيني مع الأمريكية التي ارتبطت بها قرابة خمس سنين. لكنها – وحدها – عرفت جسدي عشية الكارثة. ولولا اختلاط صورة فرجها بالفروج التي تومض لحظياً في ذاكرتي على امتداد فترة النقاهة، ما بعد انفصالنا، ربما ما كان الحادي عشر من أيلول ليستدعي جزيرة مانهاتن بمثل هذا الوضوح على هيئة فرج:
فرج كوني عملاق، استوعب طاقة الحشيش وطاقتي دونما يحقق شيئاً سوى إعلامي بضرورة الالتئام. (وطوال هذه السنين، أنا لم أر منهاتن.) أن تأتي صغيرة أحبها ترد لي ضلعي الضائع. أو تَعِد برده. سليماً. فلا تغيب. أو لا يكون غيابها بهذه البساطة.
أكتب لك أنتِ، حتى تعرفي.
ولكي لا يقول قراء السوء إني أحتفل بفتوحاتي. أي فتوحات تترك قائدها مفرّغاً ويتيماً؟ (النصر هزيمة اليائس، لكن ثمة من تستثيرهم ألوانه كأقاصيص أبضاي كاذب. يظنون سجل الألم مباهاة. هم أقرفوني. لا سبيل إلى حمايتك سوى افتراض أنهم ليسوا هناك.) أكتب – أقول – لطفولة عينيك، فرحة عينيك، حب الحياة وحب الحب في انطفاءتهما على نوم محكوم بالعناق. وللعناق ذاته، أكتب. ذلك التشبث الذي يصالحنى على الوحدانية. للهاثك وضحكاتك وانفلات جسمك (بغير غنج)، ثم غنجك الذي يشبه أريجك والبذاءات المهموسة كالبرق بخجل عنيف (لحظة وتسكتين، كأنك لم تنطقي الكلمة). أكتب لشَعر لا يُرى في بقاع غير متوقعة بامتداد جغرافيا يطمئنني ارتيادها من الطراوة إلى التماسك (وبالعكس)، أستشعره كمارد يؤوب للشجر. لانثناءة غير متوقعة وقلق قابل للاحتواء، أو لجنس هو غاية في حد ذاته… أكتب – يعني – للأمل المتحقق حيياً في مغادرة مانهاتن: الكف – من بعد الحشيش – عن السياحة بارتفاع توأم معماري لم تُسكِنني رياض فردوسه المصفوفة عمودياً في ذاكرة مدينة لم أزرها، وإن تزامنت مع خروجي من جهنم الرابضة أسفله، ما بعد انهيار أبراج دماغي.
لا شيء بعد الاستشهاد سوى الفناء. أكتب لك لأنك – هكذا – فنائي.
عشية موت أبي، كأنني كنت أعلم، صاحبت الأمريكية إلى بيتها حيث يمكن أن أطفئ شعلة خافتة جداً قبل أن تأتي المخابرة الهاتفية. كنا انتهينا لتونا من عشاء رسمي. خلعنا الملابس الضاغطة وبسرعة أدركنا ضرورتها كأنما بالسحر – بروتينية أيضاً – قبلتها وولجتها واهتززنا. ما كدنا نعتدل حتى رن هاتفي المحمول وسمعت صوت أمي، كما توقعته تماماً، أن تعال. بلا تفسير.
وما كان ثمة مجال لمجادلة جارنا الذي لحقني في غرفة أبوي، حيث وجدته في الجلباب الدرداري على ظهره إثر دخولي المتأني. أغلقت الباب، ممتناً لسكون البيت الذي فرضته أمي على الحضور: لا نحيب ولا صراخ. ما كان ثمة مجال لطرد الجار . إخباره أن لا شأن له. مناولته لكمة تعبر عن شعوري. في هذه اللحظة دون غيرها، أي خروج عن المألوف من جانب ولد المتوفي يصير ردة فعل عاطفية تستدعي تدخلاً من شأنه أن يزيدني غيظاً. لا أظنني تدبرت الأمر كما أحكيه اليوم، لكنني حدست بشروط اللحظة. وفي امتناني، كنت حريصاً على الوقار. أغلب الموجودين يوافقون جارنا الرأي، على كل حال: في الغرفة الآن ملائكة لا يصح إزعاجهم. لا أذكر صوت القرآن ولا وتعبيرات الوجوه. فقط وقفتي الممتعضة بعدما فتحوا الباب علينا، أنا وإياه، أنا وهو، أنهو… ولم أكن قد غنمت بغير دقيقة أو دقيقتين.
ما كان ثمة مجال لإنكار أن ملائكة تجاور الجسد المتيبس دون أن أراها، أو أن وجودي إلى جواره مزعج. فنظرت إلى أبي أتساءل إن كان يجب أن أقبله أو أسلم عليه؟ نظرت ولم أفعل شيئاً. الجسم الملقى على السرير يشبهه في كل شيء، لاحظت. كل تفصيلة في وجهه وأطرافه، نظرة عينيه وتوزيع شعر الذقن على وجهه. سحبة ذراعه ولون أظافره. حتى بثور مرض السكر على ساقيه… غير أنه – وهذا ما أهدرت عليه أهم لحظة في تاريخي الشخصي – ليس هو. ليس في الجسم الملقى على السرير شيء من أبي إطلاقاً. كأنه تابوت من البلاستك اللاصق مفصل على الجسد ومنجز بعناية معجزة. أبي ليس في جوفه رغم كل شيء. ولعلني أردت أن أصرخ فعلاً: «ماذا فعلوا بك يا بابا؟ أين خبأوك؟ الملائكة أولاد الكلب أخذوك قبل أن أقول إلى اللقاء؟» فقط صاحبت الجار إلى الخارج كما أراد. وحين ارتد الباب من خلفي، كنت على يقين بأن الغرفة بكل ما فيها ومن فيها، ليس فيها أبي.
كان عندي قطعة زيرو/زيرو شقراء من أجود أنواع «الملكي» المغربي. لابد أنني أومأت لأكثر من وجه متطفل. قبلت أمي ببرود ونفذت إلى غرفتي. وكنت سعيداً بأن عندي الليلة حجة جيدة توفر علي البيات عند فتاتي. على الفور وجدت علبة جميلة من خشب الصندل العطر منشأها فاس. فتحتها وأخرجت ورقة بفرة أفرغت فيها ثلث سيگارة. قربت شعلة الولاعة من الحشيش ورحت أفركه بين إصبعي. وارتحت لما رأيت فتاته مثل «بروة» الكاوتشوك تسقط على التبغ بغزارة، تسقط وتسقط فوق دخان السيگارة في قلب ورقة البفرة. تركتها لحد ما غطته.
يوسف رخا، أبريل 2009 ![]()

