سفر الوجوه

November 12, 2009

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

شيء في صورة البطاقة يشعرني أنه نفس الشخص، بيقين متزايد: سحبة الخدين على بشرة خالية من الشعر، ربما، أو تفصيلة في علاقة الحدقة بالشفاه تنقل إحساساً كلاسيكياً بالشجن. في التواءة الفم، تدريجياً، يمكنني أن أرى كل شيء: سقوط النظرية وإخفاق الحب، قابلية تحول المرارة لاستجداء… سلوك طفيلي، ذلك الأخير، يريحه من الأعباء اللحظية بإحالتها على أمي ويبديه ضحية. أعتقد أنه أتقن الدور لدرجة الالتباس. أصبح ذلك الشخص-الضحية بالفعل. ومن ثَم الاستطراد الدائم، بنفاد صبر (يستند إلى أن في جيبه تشخيصاً بالاكتئاب المزمن): «أنا مريض»… بوادر التعبير الذي عقّد مراهقتي، بعبارة أخرى: انتظار الموت. يمكنني أن أرى، بدقة، نموذج الفرد المسيّس أيام جمال عبد الناصر. لم تبق هواجس التعذيب والتجسس مسماراً في حذائه بالضبط. صار دوامها، بالأحرى، أشبه بملابسه الداخلية. وتحولت من الألم النبيل الذي يطالعني في البطاقة إلى ذلك التشنج المدبب في الوجه، ذلك البله الظاهري الملازم لانزوائه. في التواءة الفم – أقول – مساحة للنظر إلى صورة البطاقة، ليس باعتبارها نسخة من ذكرى أبي، ولكن كرمز أقل بشاعة لما تدل عليه. في النظرة الحالمة نفسها، ألمح وجعاً لم يكن ليقترن بالتذكر. ومع هذا، يؤدي التجريد – تجريد الأبيض والأسود، أيضاً – لمواجهة أعنف أثراً من صورة كارنيه نادي الصيد، مثلاً، حيث الألوان وتزامن اللحظة وتطابق مزعوم مع الواقع يعكس الصورة الذهنية، على السطح. حضور أبي يتضاءل، في تلك الأخيرة – على الرغم من أنها تقنياً أقرب إلى واقع ذكراه بالفعل، وهو التناقض الذي يؤكد إيماني بأن البورتريه في جوهره اختراع أو تخيل – ما يؤدي، في النهاية، إلى تعريف ثانٍ: أن أجفل وأنا أنظر إلى صورة مختلفة عن مرادفها الذهني، يمكّنها اختلافها من أن تجعل ذلك المرادف يوجع.

«العيان يغني عن البرهان» ابن عربي، «رسالة لا يعول عليها»

البورتريه – وهي فكرة حاضرة في كتابات رولان بارت وأحاديث رتشرد أفدون – أقرب إلى لقناع من انعكاس الوجه في المرآة. في صورة البطاقة قناع مجرد من اللون والملمس – مجرد، أيضاً، من أي دليل على الوجع – يحمل كل أسباب التعرف على أبي. ولا شك أن لهذه الحقيقة صلة بأنني عادة ما أتطلع للبطاقة – ليس لكارنيه نادي الصيد – كلما راوغتني ملامحه. هكذا أفضّل أن أراه؟ فقط – أحس – هناك فرصة أكبر لاجترار معرفتي. لسبب أو آخر، بالإضافة، تبدو حقيقة الخبرة أوضح على مسافة. أتذكر، وأنا أنظر لصور أبي الأبيض وأسود، بالذات، أن هذا هو الأثر المادي للضوء الطالع من وجهه، في لحظة ماضية. وببراءة أعيد اكتسابها كل مرة، أستوعب أن الضوء – أثر الضوء على أسطح معالجة كيميائياً – هو كل ما يبقى من جسده، فوق الأرض. فن البورتريه (أو هكذا يقول أفدون) هو استعراض، وكأي استعراض، في توازن تأثيراته يظل إما جيداً أو سيئاً، ليس طبيعياً أو مصطنعاً. أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن تكون هذه الفكرة مزعجة – أن البورتريه ليس سوى استعراض مختلق – فهي توحي بأن نوعاً من الصنعة يداري حقيقة الشخص المصوّر. ولكن الأمر ليس كذلك. أنت لا تستطيع أن تبلغ الجوهر، الطبيعة الحقيقية للشخص الذي تصوره، عن طريق إزالة السطح. السطح هو كل ما عندك. ولا يمكنك أن تفعل أكثر من أن تعالجه – الإيماءة، الرداء، التعبير – على أن تفعل ذلك بشكل جذري وصحيح. كونها تسجل شيئاً رهن لحظة التسجيل – عند بارت – الصورة الفوتوغرافية تبقى مرادفاً للموت. تشغلني هذه الفكرة، ليس بالرجوع لصور الموتى (أبي)، ولكن من زاوية أن الفوتوغرافيا، وبطريقة تميزها عن التصوير الزيتي، مثلاً، تحمل سمات تحقيقية، فكثيراً ما كان يؤكد أفدون – في وجه انتقادات «ضحاياه» – «أنت كنت هناك، لا يمكن أن تقول: ليست هذه صورتي.» الصورة أثر مادي، ليست مجرد تمثيل ذهني. ولكنها، وبنفس المنطق، تتعامل مع أشياء من الزوال والهشاشة بحيث لا يمكن أن تنطوي على حقيقة ثابتة. تبقى «عياناً» – بلغة المتصوفين – خلاف «برهان» العلم الديكارتي. أقصد أن حقيقتها شيء يُحدس أو يُحس، ثم يُؤوَّل، ولا يمكن إثباته أو نفيه. الخلاف بين الصورة الذهنية لأبي وصورة بطاقته الشخصية، إذن، لا يجب أن يقسم خبرتي البصرية به إلى ضدين. على العكس، لعل الخلاف مجالاً لـ(إعادة) النظر أكثر وأكثر. اجترار معرفة اكتسبت مصدراً جديداً وغير متوقع (رومانسية النظرة). فالشيء الوحيد المؤكد، على السطح الفوتوغرافي، هو ذلك «الوهم» الذي يصفه أفدون: «هذه التدريبات، هذه الاستراتيجيات، هذا المسرح الصامت، إنما يحاول أن يوجد وهماً: أن كل ما تجسده الصورة حدث بالفعل، أن الشخص الموجود في البورتريه كان دائماً هناك، لم يقل له أحد أين يقف، أو يشجعه على إخفاء يديه. أنه، في النهاية، لم يكن حتى في حضرة مصور.» أما البقية ففضاء مفتوح لتأويل الناظر (وطبقاً لمقدار وطبيعة المعرفة التي يجيء بها إلى البورتريه، من قبل أن ينظر إليه، سواء كانت معرفة بالشخص الذي تم تصويره أو بالظروف المحيطة به، بالمجال الذي صور فيه، مثلاً: مجتمعه، أو غرضه وغرض المصور من الصورة).

كانت مُعلمتي الفوتوغرافية الأولى – وتخصصها البورتريه، رغم أنها أتت إليه من خلفية صحفية – تؤكد أن معرفتها بالشخص الذي تصوره دائماً ما تؤدي إلى صورة أفضل. الكاميرا – تقول – من السهل أن تتحول إلى عائق يحول دون التفاعل الإنساني بينها وبين شريكها في العملية الإبداعية. إنها تصور بعينيها وقلبها، وبعقلها أحياناً، من قبل حتى أن تزيل غطاء العدسة استعداداً لتعريض الفيلم. على أن معلمتي هذه كثيراً ما كانت تختزل المعرفة المطلوبة إلى ساعة أو ساعتين هما مدة لقاء صحفي، بحكم ظروف عملها، الأمر الذي زرع في نفسي شكاً مبكراً في جدوى كلامها على امتداده المنطقي. صدمني، فيما بعد، أن أقرأ حديث أفدون عن أن أفضل بورتريهاته هي لأشخاص لا معرفة له بهم خارج لحظة التصوير. أنت تصنع (بدلاً من أن تأخذ) صورة – كما تقول معلمتي – لكنك لا تملك من مادة خام (في هذه الصناعة) سوى سطح متغير، قد يساعد على إثبات أو نفي فكرة تريدها – أن الجبهة العريضة دليل الذكاء، مثلاً، أو أن الفقراء ملابسهم مهترئة – لكنه لا يفعل ذلك إلا مصادفة، خارج السياق «المحايد» للعملية الفوتوغرافية. ومن ثم يعالَج بتقنيات – مهما كانت بريئة – ليس من شأنها أن تتفاعل مع المعرفة الممكنة. المهم هو إلى أي حد يمكن أن تكون محايداً؟ وإن كنت محايداً لحد يبرر خطاب التفاعل مع الواقع – في مقابل خطاب مقاربته بالرأي الذاتي والخيال – فلماذا تريد أن تصنع صورة أصلاً؟ المهم – أقول – أن تؤدي الصورة وظيفتها، ما بين التوثيق الرسمي (في العمل الجنائي، مثلاً، أو في بطاقة أبي العائلية) والتواصل البصري. وفي كل مرة تؤدي فيها واحدة من هذه الوظائف، على حد قول بارت، تصبح الصورة موتاً آخر للحظة أخرى، أو رسالة نبوية من عالم آخر مستقبلي. أعتقد أن اهتمامي بالبورتريه ينبع أساساً من هذه الفكرة…

«لا تدرك الأبصار الهواء لكونها سابحة فيه»، ابن عربي، «رسالة إلى الإمام الرازي»

قبل أن يخطر لي موت أبي كاحتمال فعلي، ونتيجة اقتراح عابر من قبل المخرج المسرحي حسن الجريتلي، قطعت مسافة كيلومترين أو أكثر قليلاً من بيتنا خلف ميدان الدقي إلى قاعة أفق-1 بمتحف محمود خليل – مشياً – لأنظر إلى مجموعة بورتريهات قديمة. لم أكن أعرف عنها ولا حتى اسمها المصطلح عليه – «بورتريهات الفيوم الجنائزية» – ولم تكن نظرتي محملة بغير ادعاء شاب لم يكد يمر بمراهقته الصعبة، ذهب – بناء على نصيحة «فنان» أكبر يرعى موهبته المفترضة – ليتعاطى «الثقافة» في متحف. لكن الحدث الناتج عن رحلتي القصيرة تجاوز النص الذي كتبته إثر ذهابي (حيث تحايل أبي الروحي علاء الديب على تبويب مجلة صباح الخير ليجد له مكاناً فيها). كان حدثاً، كما ثبت، بغض النظر عن النص. فهذه أول مرة أقدر الفن التشكيلي بالعيان في مقابل البرهان (إن أردت). ظلت تطاردني بورتريهات هوارة – والصورة التي تكهن المؤرخون بأنها لمصري يدعى ساراباس، على وجه الخصوص – لدرجة أنني خفت منها، في الشهور التالية. وبال٫ات بعد أن عرفت أن الغرض من رسم هذه البورتريهات أن توضع داخل الخرطوشة التي تحفظ المومياء في مكان الرأس. لم تكن فكرة الرحيل عبر الزمن – ولا حركة المشاعر من الاستغراب والتربص إلى الصحبة والسكينة – تعبر، مع ذلك، عن التجربة. في القاعة المظلمة – كانت خالية تماماً عندما دخلتها، فاختلط خلوها بالجو المكيف والتصميم الحديث ليشعرني أنني في مركبة فضائية – لم يظهر شيء. خطوت بحذر بين حوائط منسابة حتى اضطررت للاستدارة. وبطرف عيني لمحت بؤرة ضوء، فجأة: كان شخص ينظر إلي بعينين كبيرتين جداً، مفتوحتين فيما يشبه العتاب. وهكذا ظلوا يطلون من مستطيلاتهم المضاءة، كأنهم يتابعونني بعيونهم. وكلما نظرت لأحدهم أشعر، بيقين لا يمكن أن أكون قد اختلقته، أن هناك أحداً معي في المكان. شخصاً من لحم ودم، راعني أن يكون قد عاش منذ أكثر من ألف عام. ففكرت في تاريخ بورتريهات هوارة: قرن ونصف – تقريباً – لا يعدو أن يكون لحظة عابرة. شيء استثنائي بالكامل… أن يُستبدل هيكل الوجه المفرغ على خرطوشة المومياء – القناع ذا الملامح الموحدة – بلوح خشبي مرن، فوق سطحه نماذج على آخر تطور للمدرسة السكندرية «الطبيعية» في رسم الوجوه. (عرفت، مؤخراً، أن معلمي هوارة يقفون من العبقري الإغريقي أبلس موقف التأثيريين من النهضة الإيطالية)… ولا يهم، في المقارنة بين الفوتوغرافيا والرسم – وعلى سيرة الموت، بالضرورة – إلا ذكر النظرية القائلة بأن البورتريهات أنجزت بالشمع الساخن، الأمر الذي يستدعي من السرعة في الأداء (بالإضافة، ربما، إلى استخدام عدسة تعكس الضوء على السطح الذي يعالجه الرسام) ما يوازي مدة التبادل في إحدى «جلسات» أفدون أو طلعات معلمتي الصحفية، وبغض النظر عن كون هؤلاء المعلمين يؤمنون، مثل الأخيرة، بأهمية التعرف على الزبون أو لا. المؤكد أن أحداً منهم لم يكن يعرف زبونه. لكن الأهم من كل ذلك أن هناك اتفاقاً عاماً على أن قوة تأثير البورتريهات تكمن، ليس في مطابقتها الفوتوغرافية للواقع – وإن كانت تقاليد أبلس قد ساعدت على تحقيق واقعية باهرة – ولكن في اعتمادها لوحة ألوان رباعية لتحقيق درجة من التجريد جذرية وصحيحة، تماماً كما تنبع قوة البورتريهات الفوتوغرافية من كونها تعتمد درجات مشابهة من التجريد، سواء من خلال اختزال الرؤية إلى الأبيض والأسود أو معالجة السطح الذي هو موضوع الصورة – الإيماءة، الرداء، التعبير – الأمر الذي يعقد في ذهني صلة وطيدة ما بين حدث الذهاب إلى متحف محمود خليل والانبهار بأعمال نادار وأوجست ساندر ثم أفدون، ضمن أسماء أخرى (وعلى الرغم من أنني لم أر من تلك الأخيرة إلا نسخاً أنجزت على خط إنتاج طباعة تجاري، تبعد في معظم الأحيان عن الأصل ببضعة أجيال). البورتريه، إذن (سواء أنجز بالفضة أو الصبغة المذابة في الشمع أو الزيت): أن أشعر بشخص ميت معي في الغرفة، وأنا وحدي هناك.

عزيزي ساراباس

ظللتَ معلقاً على حائط غرفتي شهوراً فمتى أُزلت؟ لا أذكر. لم تكن سوى بوستر رخيص، في النهاية، حمل شيئاً من هيبة وجلال موميائك رغم كل شيء. أفدون يقول إن تاريخ الفن هو أيضاً تاريخ الأزياء – على سبيل تبرير عمله التجاري – فهل كان رداؤك الروماني «على الموضة»؟ متى أُنجزت صورتك؟ كيف عرفت أن تنظر إلى الرسام بذلك المزيج المثالي من الحضور والغياب؟ لعله كان صائماً حين أقبل على عمله – فمن عادة تلك الأيام البعيدة أن لا يدع الفنان شبع الطعام يحول بينه وبين المهمة المقدسة التي هو بصدد إنجازها – ولعله تمكن، وهو ينظر إلى نضرة وجهك الذي يبرق بالحياة، من الولوج إلى جمجمة محنطة. منذ أول لحظة وعيناك تقولان: أنا هنا. هل يفرق معك إلى هذا الحد، أن أتعرف عليك؟ لا شك أنني كنت أفكر فيك عندما ألّفت لصديقي السينمائي مقاطع مستلهمة من النصوص القديمة، حتى يدرجها في عمل وثائقي عن وجوه الفيوم. هل كنت على حائط غرفتي حينذاك؟ كنت أعرف أن عبقرية نادرة حفظت منك الدليل، وأنت ميت. أصبحت صديقاً حاضراً وأنت، بالمعنى الحرفي، تراب. كنت قريباً جداً، لا؟ وتأكد أن المسافات الزمنية، مهما طالت، لا تفصلنا عن بعضنا البعض بالقدر الذي نتخيله.كل هذا الحزن والإصرار في عينيك. صدقني، يا ساراباس (وحتى إن لم يكن هذا اسمك، في الحقيقة): لقد عرفتك جيداً.

alquds.gif

ناظم السيد ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ للمصري يوسف رخا: كتابة تحتفي بالمكان واللهجات المحلية وتلتبس في التجنيس

بيروت- ‘القدس العربي’ تضع كتابة يوسف رخا القارئ في حيرة. على الأقل تضع قارئاً مثلي في ارتباك. تضعني في منطقة غائمة بين حداثة هذه الكتابة وعجالتها. بين الهدم والبناء. بين الرغبة والضجر. بين الإيمان بالمعنى لدرجة امّحاء هذا المعنى وبين الاتخاذ بالشكلانية لدرجة البهلوانية. أياً يكن الوصف وأياً يكن المنطلق، فإن كتابة تثير هذا الالتباس جديرة بالنقاش والتقدير.

في كتابه الجديد ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ الصادر عن دار ‘الكوكب- رياض الريس للكتب والنشر’، يستكمل يوسف رخا الشغل على المكان. لنقل إن هذا الإصدار هو- في معنى من المعاني- الجزء الثالث للكتابين السابقين ‘بيروت شي محل’ و’بورقيبة على مضض’. في هذا الكتاب ثلاثة أمكنة رئيسية يعمل عليها الكاتب وهي المغرب، لبنان، والإمارات العربية المتحدة، بعدما كان عمل في كتابيه السابقين على مفارقات بيروت وتونس.

الشغل على المكان- إذاً- محور الكتابة لدى رخا. ثمة كتابة مستمدة من رحلات وعيش في مدن. لكنَّ الكتابة عن هذه الأمكنة (المدن) تتعدى الكتابة التقليدية عن المدن، تلك الكتابة الوصفية والانطباعية والتقريرية والتأملية، الكتابة التي تبدو كأنها صادرة عن مراسل. بالطبع مثل هذه العناصر، أي التقرير والوصف والانطباع، ستدخل في أي كتابة عن اجتماع الناس في مكان، لكن هذه العناصر تحضر عاجلة ولماماً لدى نص رخا. الأرجح أن رخا يكتب نفسه في هذا المكان أو ذاك. يكتب ليس تفاعله الخارجي مع المكان وإنما يكتب داخله. ولولا بضع جمل تصريحية عن المكان الذي يكتب عنه وبضع جمل تشير إلى لهجة هذا البلد أو ذاك، لما كنا عرفنا عن أي مكان يكتب المؤلف. كتابة كهذه ليست عائمة بقدر ما هي جوانية، ليست وجهاً مسحوب الملامح بقدر ما هي وجه بملامح خفية. هذه الطريقة في تناول المكان أظنها إضافة رخا إلى النص الأدبي السردي تحديداً.

يكتب يوسف رخا عن المكان بوصفه آخر. أي أنه يتناول المكان كدلالة إنسانية، ككائن تاريخي وراهن، اجتماعي وسياسي. المكان بهذا المعنى البطل الأول في نصه. بيروت ليست عاصمة في نص رخا بقدر ما هي مثال اللبنانيين وتجسّدهم، وكازابلانكا ليست عاصمة المغرب الاقتصادية، وطنجة ليست وجه المغرب المتوسطي أو ذراعه إلى أوروبا، ومراكش ليست جنة السيّاح، بل إن هذه المدن هي ما يحسه يوسف رخا، ما يعيشه، ما يتفاعل معه أثناء عبوره فيها إو إقامته عليها.

حضور المكان كبطل في ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ (وكذا في كتابيه آنفي الذكر)، يستدعي حضور اللهجات التي تدلُّ على هذا المكان. من ‘حال بحال’ و’طاكسي’ و’ديالنا’ و’وبالزاف’ و’شحال في عمرك’ و’مكان الازدياد’ في المغرب، إلى ‘العجقة’ و’وين بدنا نروح’ و’هون’ و’تروقت’ و’كاميون’ (شاحنة) و’يعطيك العافية’ و’فريمات’ (الفرامل) و’شوفير’ (السائق) و’بلش’ في لبنان، إلى ‘سيدا’ (دغري) و’علوم’ و’يبغي’ و’يسولف’ و’فديتك’ و’حليلك’ و’وايد’ و’تصيح’ في الإمارات العربية المتحدة. من هذه المفردات المحلية إلى تلك، ينتقل يوسف رخا. يتحوّل النص إلى احتفاء باللهجات المحلية. كأن الاحتفاء بالمكان (أو نقده) يستدعي الاحتفاء باللغة (أو هجاءها). حتى ان الكاتب يضع ألفاظاً محلية عناوين متكررة لنصوصه. كأن هذه الألفاظ مفاتيح لقراءة النص. كأن هذه الألفاظ أمكنة هي الأخرى. استطراداً: إذا كان البعض يحتفي بالفصحى فإن يوسف رخا يحتفي باللهجة الشعبية.

ثمة ما وراء الاحتفال بالمكان واللغة في تجربة يوسف رخا. أحسب أن ثمة سببين وراء هذا الاحتفال: الأول إنساني يكشف رغبة المؤلف في التماهي مع الآخر، في التحوّل إلى المكان الذي يكتب عنه، في التحوّل إلى لغة المكان الذي يكتب عنه. هذه تقنية العاشق القديم الذي كان يذهب في الآخر حتى الامّحاء. إلى حدّ ٍ ما يختفي رخا وراء المكان ولهجته ويكتب لنا من هناك. هذا ما قصدته حين قلت إن الكاتب يكتب داخله تجاه المكان، أي أنه يبتلع الأمكنة ويعيدها إلى الوجود مشوّهة بأناه. السبب الآخر للاحتفال بالمكان واللغة سبب فني. هذا الاحتفال يندرج ضمن الكتابة التجريبية التي باتت تميّز رخا. إن التنقل في النص الواحد بين الفصحى وعدد من اللهجات المحكية المتنوعة والمتباعدة، يشكل ملمحاً من ملامح هذه التجريبية.

التجريبية أيضاً تظهر في بنية ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’. نحن أمام نص سردي (روائي، حكائي، قصصي…) لا يكشف جنسه بسهولة. من الخارج ينتمي هذا النص إلى النثر، تحديداً إلى السرد. لكنَّ القراءة تكشف خلل هذا السرد. ثمة انعطافات واستدراكات وتشعبات تقطع هذا السرد. ثمة تأملات مفاجئة، وجمل مباغتة، تدخل فجأة على الإخبار (من خبر) وتدمّر السرد. بهذا المعنى فإن بنية السرد (النثر) لدى رخا بنية شعرية. بنية متقطعة، غير منطقية، مختلة الزمن، كثيفة، طفولية، أي بنية مناهضة للعقلاني. وأكثر: يحضر الشعر بشكل صريح في بعض الصفحات. حتى أن الكتاب يُختم بنص شعري من حيث اللغة ومن حيث التوزيع العمودي للكلمات على الصفحة. ويمكننا أن نعطف على هذا غياب الحدث في النص، إذ أن الكتابة هنا لا تقوم على الخبر وإنما على الإنشاء، لا تنهض على النقل وإنما على تخييل اللغة.

والحال، فإن شبهة الرواية (أو القصة) في نص رخا، مضافاً إليها البنية الشعرية، والمونولوغ الداخلي، والحوار، وأثر التحقيق الصحافي، والكتابة السياحية أو أدب الأسفار، تجعل من نص رخا نصاً متعدداً حيناً وضائعاً حيناً آخر. من جديد نعود إلى الالتباس. إلى السؤال الذي لا نعرف إذا ما كان نصف الإجابة أم ضعف الحيرة

زليخة

July 20, 2009

*

ناءت عانتها

لا لأن زوجها عنين

فالصبي الذي يهجع إلى حضنها

نصف ابن

الصبي الذي يناوش الكمال

في نموه

هشّم الخيال بوعد لذة

دونها الموت نفسه

ناءت

لأن عرقه المنساب

في سرتها

حِمل كالمصير

*

بشهوة كالأمومة

وهو نائم

تلعق القذى من عينه

كأن أنفاسه شعر مجعد

يمسده أنفها

وكعطشان غُلّقت شفتاه

حول صنبور مدور

تحلم بالعبّ

من شفتيه

16.jpg
عبد الهادي الجزار: عارية

ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.

كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.

يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.

أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

002.jpg

زليخة-٢

July 12, 2009

وهما يتراكضان

باتجاه المخرج

المخرج الذي يقود إلى السجن

وهي تنزع قميصه عنوة

بالذات

هل كان صدرها يهتز؟