بسيطة تقف في مكان معقد
August 2, 2009
العيش أطول وقت ممكن
عادت إيمان مرسال بضعة شهور من مسكنها الدائم في إدمونتون، كندا، للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة القاهرة. للشاعرة ولدان وأربعة كتب: (اتصافات)، (ممر معتم يصلح لتعلم الرقص)، (المشي أطول وقت ممكن)، و(جغرافيا بديلة). تعمل بالتدريس الجامعي، تكتب يوميات لا يطلع عليها أحد ولها رواية لم تقرر نشرها وكتاب عن الأدباء العرب في أمريكا كان بمثابة نص أدبي موازٍ للدكتوراة. منذ بداياتها الشعرية كطالبة ثانوي في المنصورة، لازالت تشعر أن الكتابة عموماً أشبه بلقاء أصدقاء تحبهم وتحترمهم وتتواصل معهم بكل عمق، بينما الشعر – تحديداً – لقاء بحبيب. هكذا تحدثت من مسكنها القاهري في المنيل، وعلى المنضدة شاي وسجاير وزجاجة ماء خرجت متجمدة من الفريزر.
إلى حيث توجد القصيدة
أنا شخص بسيط جداً. ويجب أن تفهم ببساطة أنني أكون مخلصة تماماً فيما أعمل، ولا يهم على أي مسافة يقع هذا الذي أعمله من الشعر. الشعر يجيء لما يجيء، أو يعني أنا أروح له، أيضاً كيفما اتفق. بلا نسق إنتاجي أو نظام محكم من النوع الذي يتطلبه التدريس أو الأمومة، أو إنجاز رسالة أكاديمية مثل التي انتهيت منها أخيراً. وأنا أعمل في تجربة مثل تجربة الدكتوراة، مثلاً – عن صور أمريكا في أدب الرحلة العربي – كنت أحس أن هذا العمل مهم تماماً بالنسبة لي. أكثر من أنه سيعلّم الناس شيئاً أو يمنحني شهادة. فعلاً. أنت تقرأ سرداً أنجزه أناس عن المكان الذي أنت جئت إليه: كان هذا مثيراً جداً، وكنت أبحث داخله عن شيء يخصني. فأنا لا أشعر أن هذا أقل أهمية من الشعر أو أني أعامله بدرجة أقل من التقدير. لا علاقة إذن لكوني لا أنجز الشعر بطريقة منظمة بكوني أخب إلى أماكن أخرى في الحياة. أنت تكون مأخوذاً في أشياء تحبها. أن تطبخ أو تمضي الوقت مع ولديك. يمكن أن أسهر إلى الفجر أحضّر درس اليوم التالي لطلبتي في جامعة ألبيرتا، وأكون سعيدة جداً وكلي مستَثمرة في الأمر. لا أشعر أن هذا يأخذ من وقت الشعر أو يهدد الإنتاج، لأنني مقتنعة تماماً بأنه لو كان يمكن أن تؤدي طاقة اللحظة إلى القصيدة، فإلى هناك ستؤدي. حدث فعلاً أن شيئاً برق وأنا أدرّس أو أطبخ، وفعلاً أكملت هذا الشيء فأنجزت قصيدة قصيرة أو نصاً ما. عندي إحساس أن الطاقة هذه حين تكون موجودة ستوصل فعلاً للشعر، ولا ضرورة لأن أضع نفسي في الخلاط فأتدرب على كتابة القصيدة كل يوم أو أمتنع عن أشياء أحبها لأكون كاتبة متفرغة للكتابة. أنا فقط لا أفكر بهذا الشكل… وحين أكون ذاهبة إلى القصيدة، فعلاً لا يوجد أي شيء آخر في الدنيا.
من مقهى إلى مقهى
حين يسألني أحدهم عما يجعلني أبذل كل هذا الجهد في رسالة أكاديمية عن أدونيس، مثلاً – أدونيس موضوع الماجستير الذي حصلت عليه سنة ١٩٩٨ – متصورين أنني أسعى إلى الشهادات العليا ومثل هذه الأشياء، كنت أسخر من ذلك فعلاً. ليس الموضوع موضوع شهادات. أبداً. والله العظيم كانت الفكرة تضحكني. فسواء في كتابة رسالة أو في الانشغال بأي شيء في الحياة، أنت تبحث عن شيء ثم تجد سكتك إليه. لكن في أي لحظة يمكن للموضوع أن يخرب أو يتوتر تماماً لأنك تكتب شيئاً آخر. لنسلم بأن النوع الأدبي هو الشعر، هذا هو النوع الأدبي. لكن عندما تتولد الطاقة الدافعة إلى الكتابة، تضطرب الأنظمة لأنه يوجد شيء مختلف أنا لا أعرف ما هو، لكنه موجود. عندما أكون مضروبة بحالة كتابة لمدة أسبوع، مثلاً – عندي أسبوع أكتب الشعر ولا أعمل أي شيء آخر تقريباً – أحس بهذا الشيء المختلف. هو لا يعتمد مثلاً على الدأب في أن تقرأ وتبحث عن معلومات. هذا مثلاً فرق تقني بسيط جداً. يمكن وأنا أكتب أن أمشي مسافات طويلة جداً دون أن أنجز شيئاً. وأظل أنتقل من مقهى إلى مقهى وأنا أعاني من ضجر شديد. وأنا في حالة كتابة. فكرة المشي أو الجلوس في مقهى بعد آخر – أن تكون مع ناس لا تعرفهم ولا تكلمهم – هذه الأشياء مرتبطة عندي بحالة الكتابة. وأن هناك شيئاً لم يظهر بعد. أنت وراء شيء، يعني. بينما وأنا أشتغل بالدكتوراة، يمكن أن أمكث اثنتي عشرة ساعة في المكتبة بمفردي، وأفتح كتباً كثيرة في وقت واحد. مزاج آخر، روح أخرى. أنا أكلمك طبعاً عن خصوصية كتابة القصيدة بالنسبة لي أنا. لا علاقة لذلك إطلاقاً بفكرة قدسية النص الشعري أو البلاغة أو صورة الكاتب التي كان هناك سعي لكسرها وإبدالها في لحظة معينة في التسعينات، من خلال سمات وتفاصيل كثيرة جداً ومختلفة تماماً من شاعر لآخر جمعت بعض الناس بعض الوقت.
ليس مهيجاً للكتابة
كل سياقات الكتابة التي تصبح بموجبها ضد البلاغة بهذا الشكل أو ضد صورة الكاتب بهذا الشكل: لا شيء من هذا كله مهيجاً للكتابة. مع أنه موجود ومحرك، لن يكون عمره مهيجاً للكتابة. يعني أنا لا أكتب قصيدة عن علاقتي بأبي مثل تلك التي كتبتها سنة ١٩٩٤، قصيدة (الجلطة)، لن أكتب هذه القصيدة لكي أخوزق البلاغة العربية التي أكرهها. وأنا أكرهها فعلاً. لكن لا يوجد دافع من هذا النوع لا بالطيب ولا بالردي. الناس الذين يكتبون من أجل إحلال بلاغة جديدة محل بلاغة قديمة يكون عندهم بالفعل أجندة جمالية. ليس أنا. وأعتقد أن العلاقة بالأب، في هذه الحالة، كانت هي المهيج لهذه الكتابة. أنا عندما أردت أن أكتب عن علاقتي بأبي، ولم أكن قد اطلعت على تراث الشعر العالمي الحداثي، لم أجد كاتبة عربية يمكن أن تمثل لي مرجعية غير حنان الشيخ التي كتبت عن أبيها بشكل مختلف تماماً عن علاقتي أنا بأبي التي أريد أن أكتبها أو يعني أن أكتشف أني أكرهه وأحبه وهكذا، ولماذا كل هذا البؤس. عما أريد أن أفعل. لذلك أنت ليس أمامك سوى التخبط. هناك مثلاً من قرأ هذه القصيدة على أنها ضد السلطة الأبوية… أو أي قراءة أحادية بهذا النوع من التسطيح. لم يكن هذا يعنيني من قريب أو بعيد: كل ما يعنيني أن أصطدم بحائط علاقتي بأبي، ولم يكن ممكناً فعل ذلك بالبلاغة العربية القديمة بغض النظر. لم يكن ممكناً بدون هذا التخبط، وبالتالي أنا لم أكتب بهذا الشكل لأحارب البلاغة القديمة. فقط ما أردت أن أكتبه، لم تكن هذه البلاغة تصلح له. لو أن المكان الذي أقف فيه وأنا أتكلم عن الأب هو أبي الذي ضحى بحياته من أجلنا بعد أن ماتت أمي وأنا عندي سبع سنين وتركت له ثلاثة أطفال أنا أكبرهم، كان ذلك ليؤدي إلى بلاغة قديمة على الفور. لكن المكان الذي أقف فيه كان أكثر تعقيداً بعض الشيء. أنا شخص بسيط فعلاً، لكنني كنت أقف في مكان معقد.

زليخة
July 20, 2009
*
ناءت عانتها
لا لأن زوجها عنين
فالصبي الذي يهجع إلى حضنها
نصف ابن
الصبي الذي يناوش الكمال
في نموه
هشّم الخيال بوعد لذة
دونها الموت نفسه
ناءت
لأن عرقه المنساب
في سرتها
حِمل كالمصير
*
بشهوة كالأمومة
وهو نائم
تلعق القذى من عينه
كأن أنفاسه شعر مجعد
يمسده أنفها
وكعطشان غُلّقت شفتاه
حول صنبور مدور
تحلم بالعبّ
من شفتيه

عبد الهادي الجزار: عارية
يماني يتعلم الكلام
July 14, 2009
ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.
كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.
يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.
أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

زليخة
July 11, 2009
إلى سنان أنطون
كالعجين اللدن على طرف اللسان
يتذوق ذراعها
لأن الشبق
أحلى من التفاح
يسيل لعابه
على طعم الخمير
ولا يفتقد حلاوة السكر
الفلسطيني
كالعجين الواعد بخبز قراح
يتذوق لحظة
قبلما يهم بالفرار
اللحظة التي يعرف فيها
أنه سينقذ العالم
