سر المكان

December 15, 2009

معنى أن تغادر…

موضوع قد يستغرق الأبد.

أن تغادر المكان الذي ألفتَ زواياه كأنها في

خبايا فكرك انعطافات الحلم الذي لا يلوي على شيء –

المكان الذي سره أبداً لم يُستكشف، لأنه صار أليفاً وأنت

لن تقبل إلا بما لا تعرفه، قابلاً لما تعرف لكن عارفاً أن هناك

شيئاً خبيئاً وراء بابك، شيئاً لن تطاله الأضواء التي

لن تعرف سرها ولن تراها…

أن تغادر المكان الذي يلتف سره بالأحاجي

لأنه صار أليفاً، والأليف حين يُستكشف يُطرح جانباً في العادة؛

قد يحدث هذا، ذات يوم، عندما تركب قطاراً

إلى الريف أو المنفى:

أن تجد كل طريق، كل حقل، كل بيت

مغتسلاً برونق بهاء ليس سوى بعضاً من ترنّقه

في مرآة الترف: اللون، والشكل، زوايا التظليل، إطار المتعة

الباذخة في العين – حصان يرعى في المخيلة.

جسر يتجسد فوق ضفتين، ما وراء النظر

لكنك ترى في غفلة

ظله العابر.

وإذ تعبر بالبركة (في أية قرية!)

وتحجز في نظرتك الماء الساكن، وباحات البيوت

والقارب المقيّد بالحبل

إلى رصيف المرفأ، وتفكر، ولا تدري أنك فكرت إلا فيما بعد:

«كم ساكن هذا الظل وأسود في الماء»

فإنك تدرك، في الحال، أن المرأة الملفعة بعباءة

سوداء في الحديقة، تبكي لأن أحدهم أجبرها

على أن تقبل بالحقيقة.

ولستَ متأكداً إن كان هذا جزءً من الحلم، أو شهادة

سمعت تفاصيلها ذات مرة

لكنك تدري أن ما جاهدتَ أن تدريه في تلك اللحظة

شيء يمكن لك الآن، في عمرك هذا، أن تعرفه أكثر

لأن الخليقة وضعتك في هذا الموضع بالذات

حيث ترى، وتمتلك الرؤية.

إنك آنذاك، حين يتقمصك الوضوح، وتكون في

حال من فرط انجلائها، أنك لا تفكر حتى بأن تفكر:

آنذاك قد يحدث أن تحدس السر الذي لم تستكشف طواياه

في المكان الذي غادرته، ذلك الشيء الخبيء ما وراء أستار وأبواب

ذلك الشيء الذي لن تطاله الأنوار التي رأيتها في منامك.

تلك التي لم ترها سوى في منامك.

(نص قصيدة سركون بولص من «عظمة أخرى لكلب القبيلة»)

Obituary, The Guardian

Sargon Boulus

Iraqi poet who joined the Beat generation

In 1967 a penniless 23-year-old Iraqi, with no documentation, applied to the American embassy in Beirut for a visa to enter the US. A writer, he claimed an intimate knowledge of American poetry. He was called to meet the ambassador, who asked him about poetry. He started with Walt Whitman and referred to many contemporary Beat poets, of whom the ambassador had not heard. But he was impressed. “Enough!” he said, “you’ve got it.” The young man went to New York, and on to San Francisco, which became his home for the next 40 years.The young man was Sargon Boulus, who has died in Berlin aged 63, after some months of poor health.

Sargon was born in al-Habbaniyah, on the Euphrates in Iraq, to an Assyrian family. The British had provided the Assyrians, an ancient but threatened Christian sect, speaking its own Semitic language, with a safe haven near a military base. His family moved to Kirkuk, where Sargon had his secondary education. He started writing poetry aged 12. His first published poem came a year or two later since when, as he wrote, “I haven’t stopped. It just grabbed me, this magic of words, of music.”

It was an exciting time for Arabic poetry, with a rejection of classical forms that had held sway for a millennium and more. Beirut was the centre of experimental poetry, especially the magazine Shi’r (Poetry), edited by Yusuf al-Khal. When he was 17, Sargon sent some poems to Yusuf al-Khal that were immediately published. He was encouraged to go to Beirut and made the journey from Baghdad with no identification papers, avoiding public transport and official border posts. He was warmly welcomed by the innovative poets based in Beirut and lived a hand-to-mouth existence, gathering at the Horseshoe cafe with other writers, and writing for the newspaper al-Nahar. He was picked up by police as an illegal immigrant and jailed. Friends intervened and he applied, successfully, for entry to the US.

In San Francisco, he became part of the Beat generation. Sargon lived on the edge, running a Middle Eastern restaurant, writing and translating, demonstrating for native American rights and against the Vietnam war. He introduced Arab readers to Allen Ginsberg, Carl Snyder and Lawrence Ferlinghetti. He became intoxicated by the classical English poets and translated Shakespeare’s sonnets, as well as Shelley, Ezra Pound, Ted Hughes and Sylvia Plath. At his death, he left uncompleted a major study and translation of the writings of WH Auden.

He wrote his own poetry, feeling savage about the limitations of Arabic and the upholders of formal classical traditions. He talked about “linguistic fundamentalists”. Arabic, thought Sargon, “is always too full of decoration, unnecessary words and fat – linguistic fat. I’m cutting it like a butcher and I’m trying to show the bones behind the flesh and I think that’s something worth doing.” He wrote poetry in Assyrian, Arabic and English.

He spent time in Athens and Germany, where Iraqi publisher Khalid al-Maaly helped promote his work. He was also a journalist and translated romantic novels into Arabic. From 1998 he was a consultant editor of Banipal, a London-based magazine of Arab literature, and a prolific contributor, translating a range of contemporary Arab poetry into clear and concise English.

Sargon worked hard, played hard and travelled hard. His last years were dogged by ill-health, but he was working and writing to the end. He is survived by his partner of several decades; she shares a name with film star Elke Sommer.

· Sargon Boulus, poet, born 1944; died October 22 2007

Reblog this post [with Zemanta]

سفر الوجوه

November 12, 2009

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

شيء في صورة البطاقة يشعرني أنه نفس الشخص، بيقين متزايد: سحبة الخدين على بشرة خالية من الشعر، ربما، أو تفصيلة في علاقة الحدقة بالشفاه تنقل إحساساً كلاسيكياً بالشجن. في التواءة الفم، تدريجياً، يمكنني أن أرى كل شيء: سقوط النظرية وإخفاق الحب، قابلية تحول المرارة لاستجداء… سلوك طفيلي، ذلك الأخير، يريحه من الأعباء اللحظية بإحالتها على أمي ويبديه ضحية. أعتقد أنه أتقن الدور لدرجة الالتباس. أصبح ذلك الشخص-الضحية بالفعل. ومن ثَم الاستطراد الدائم، بنفاد صبر (يستند إلى أن في جيبه تشخيصاً بالاكتئاب المزمن): «أنا مريض»… بوادر التعبير الذي عقّد مراهقتي، بعبارة أخرى: انتظار الموت. يمكنني أن أرى، بدقة، نموذج الفرد المسيّس أيام جمال عبد الناصر. لم تبق هواجس التعذيب والتجسس مسماراً في حذائه بالضبط. صار دوامها، بالأحرى، أشبه بملابسه الداخلية. وتحولت من الألم النبيل الذي يطالعني في البطاقة إلى ذلك التشنج المدبب في الوجه، ذلك البله الظاهري الملازم لانزوائه. في التواءة الفم – أقول – مساحة للنظر إلى صورة البطاقة، ليس باعتبارها نسخة من ذكرى أبي، ولكن كرمز أقل بشاعة لما تدل عليه. في النظرة الحالمة نفسها، ألمح وجعاً لم يكن ليقترن بالتذكر. ومع هذا، يؤدي التجريد – تجريد الأبيض والأسود، أيضاً – لمواجهة أعنف أثراً من صورة كارنيه نادي الصيد، مثلاً، حيث الألوان وتزامن اللحظة وتطابق مزعوم مع الواقع يعكس الصورة الذهنية، على السطح. حضور أبي يتضاءل، في تلك الأخيرة – على الرغم من أنها تقنياً أقرب إلى واقع ذكراه بالفعل، وهو التناقض الذي يؤكد إيماني بأن البورتريه في جوهره اختراع أو تخيل – ما يؤدي، في النهاية، إلى تعريف ثانٍ: أن أجفل وأنا أنظر إلى صورة مختلفة عن مرادفها الذهني، يمكّنها اختلافها من أن تجعل ذلك المرادف يوجع.

«العيان يغني عن البرهان» ابن عربي، «رسالة لا يعول عليها»

البورتريه – وهي فكرة حاضرة في كتابات رولان بارت وأحاديث رتشرد أفدون – أقرب إلى لقناع من انعكاس الوجه في المرآة. في صورة البطاقة قناع مجرد من اللون والملمس – مجرد، أيضاً، من أي دليل على الوجع – يحمل كل أسباب التعرف على أبي. ولا شك أن لهذه الحقيقة صلة بأنني عادة ما أتطلع للبطاقة – ليس لكارنيه نادي الصيد – كلما راوغتني ملامحه. هكذا أفضّل أن أراه؟ فقط – أحس – هناك فرصة أكبر لاجترار معرفتي. لسبب أو آخر، بالإضافة، تبدو حقيقة الخبرة أوضح على مسافة. أتذكر، وأنا أنظر لصور أبي الأبيض وأسود، بالذات، أن هذا هو الأثر المادي للضوء الطالع من وجهه، في لحظة ماضية. وببراءة أعيد اكتسابها كل مرة، أستوعب أن الضوء – أثر الضوء على أسطح معالجة كيميائياً – هو كل ما يبقى من جسده، فوق الأرض. فن البورتريه (أو هكذا يقول أفدون) هو استعراض، وكأي استعراض، في توازن تأثيراته يظل إما جيداً أو سيئاً، ليس طبيعياً أو مصطنعاً. أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن تكون هذه الفكرة مزعجة – أن البورتريه ليس سوى استعراض مختلق – فهي توحي بأن نوعاً من الصنعة يداري حقيقة الشخص المصوّر. ولكن الأمر ليس كذلك. أنت لا تستطيع أن تبلغ الجوهر، الطبيعة الحقيقية للشخص الذي تصوره، عن طريق إزالة السطح. السطح هو كل ما عندك. ولا يمكنك أن تفعل أكثر من أن تعالجه – الإيماءة، الرداء، التعبير – على أن تفعل ذلك بشكل جذري وصحيح. كونها تسجل شيئاً رهن لحظة التسجيل – عند بارت – الصورة الفوتوغرافية تبقى مرادفاً للموت. تشغلني هذه الفكرة، ليس بالرجوع لصور الموتى (أبي)، ولكن من زاوية أن الفوتوغرافيا، وبطريقة تميزها عن التصوير الزيتي، مثلاً، تحمل سمات تحقيقية، فكثيراً ما كان يؤكد أفدون – في وجه انتقادات «ضحاياه» – «أنت كنت هناك، لا يمكن أن تقول: ليست هذه صورتي.» الصورة أثر مادي، ليست مجرد تمثيل ذهني. ولكنها، وبنفس المنطق، تتعامل مع أشياء من الزوال والهشاشة بحيث لا يمكن أن تنطوي على حقيقة ثابتة. تبقى «عياناً» – بلغة المتصوفين – خلاف «برهان» العلم الديكارتي. أقصد أن حقيقتها شيء يُحدس أو يُحس، ثم يُؤوَّل، ولا يمكن إثباته أو نفيه. الخلاف بين الصورة الذهنية لأبي وصورة بطاقته الشخصية، إذن، لا يجب أن يقسم خبرتي البصرية به إلى ضدين. على العكس، لعل الخلاف مجالاً لـ(إعادة) النظر أكثر وأكثر. اجترار معرفة اكتسبت مصدراً جديداً وغير متوقع (رومانسية النظرة). فالشيء الوحيد المؤكد، على السطح الفوتوغرافي، هو ذلك «الوهم» الذي يصفه أفدون: «هذه التدريبات، هذه الاستراتيجيات، هذا المسرح الصامت، إنما يحاول أن يوجد وهماً: أن كل ما تجسده الصورة حدث بالفعل، أن الشخص الموجود في البورتريه كان دائماً هناك، لم يقل له أحد أين يقف، أو يشجعه على إخفاء يديه. أنه، في النهاية، لم يكن حتى في حضرة مصور.» أما البقية ففضاء مفتوح لتأويل الناظر (وطبقاً لمقدار وطبيعة المعرفة التي يجيء بها إلى البورتريه، من قبل أن ينظر إليه، سواء كانت معرفة بالشخص الذي تم تصويره أو بالظروف المحيطة به، بالمجال الذي صور فيه، مثلاً: مجتمعه، أو غرضه وغرض المصور من الصورة).

كانت مُعلمتي الفوتوغرافية الأولى – وتخصصها البورتريه، رغم أنها أتت إليه من خلفية صحفية – تؤكد أن معرفتها بالشخص الذي تصوره دائماً ما تؤدي إلى صورة أفضل. الكاميرا – تقول – من السهل أن تتحول إلى عائق يحول دون التفاعل الإنساني بينها وبين شريكها في العملية الإبداعية. إنها تصور بعينيها وقلبها، وبعقلها أحياناً، من قبل حتى أن تزيل غطاء العدسة استعداداً لتعريض الفيلم. على أن معلمتي هذه كثيراً ما كانت تختزل المعرفة المطلوبة إلى ساعة أو ساعتين هما مدة لقاء صحفي، بحكم ظروف عملها، الأمر الذي زرع في نفسي شكاً مبكراً في جدوى كلامها على امتداده المنطقي. صدمني، فيما بعد، أن أقرأ حديث أفدون عن أن أفضل بورتريهاته هي لأشخاص لا معرفة له بهم خارج لحظة التصوير. أنت تصنع (بدلاً من أن تأخذ) صورة – كما تقول معلمتي – لكنك لا تملك من مادة خام (في هذه الصناعة) سوى سطح متغير، قد يساعد على إثبات أو نفي فكرة تريدها – أن الجبهة العريضة دليل الذكاء، مثلاً، أو أن الفقراء ملابسهم مهترئة – لكنه لا يفعل ذلك إلا مصادفة، خارج السياق «المحايد» للعملية الفوتوغرافية. ومن ثم يعالَج بتقنيات – مهما كانت بريئة – ليس من شأنها أن تتفاعل مع المعرفة الممكنة. المهم هو إلى أي حد يمكن أن تكون محايداً؟ وإن كنت محايداً لحد يبرر خطاب التفاعل مع الواقع – في مقابل خطاب مقاربته بالرأي الذاتي والخيال – فلماذا تريد أن تصنع صورة أصلاً؟ المهم – أقول – أن تؤدي الصورة وظيفتها، ما بين التوثيق الرسمي (في العمل الجنائي، مثلاً، أو في بطاقة أبي العائلية) والتواصل البصري. وفي كل مرة تؤدي فيها واحدة من هذه الوظائف، على حد قول بارت، تصبح الصورة موتاً آخر للحظة أخرى، أو رسالة نبوية من عالم آخر مستقبلي. أعتقد أن اهتمامي بالبورتريه ينبع أساساً من هذه الفكرة…

«لا تدرك الأبصار الهواء لكونها سابحة فيه»، ابن عربي، «رسالة إلى الإمام الرازي»

قبل أن يخطر لي موت أبي كاحتمال فعلي، ونتيجة اقتراح عابر من قبل المخرج المسرحي حسن الجريتلي، قطعت مسافة كيلومترين أو أكثر قليلاً من بيتنا خلف ميدان الدقي إلى قاعة أفق-1 بمتحف محمود خليل – مشياً – لأنظر إلى مجموعة بورتريهات قديمة. لم أكن أعرف عنها ولا حتى اسمها المصطلح عليه – «بورتريهات الفيوم الجنائزية» – ولم تكن نظرتي محملة بغير ادعاء شاب لم يكد يمر بمراهقته الصعبة، ذهب – بناء على نصيحة «فنان» أكبر يرعى موهبته المفترضة – ليتعاطى «الثقافة» في متحف. لكن الحدث الناتج عن رحلتي القصيرة تجاوز النص الذي كتبته إثر ذهابي (حيث تحايل أبي الروحي علاء الديب على تبويب مجلة صباح الخير ليجد له مكاناً فيها). كان حدثاً، كما ثبت، بغض النظر عن النص. فهذه أول مرة أقدر الفن التشكيلي بالعيان في مقابل البرهان (إن أردت). ظلت تطاردني بورتريهات هوارة – والصورة التي تكهن المؤرخون بأنها لمصري يدعى ساراباس، على وجه الخصوص – لدرجة أنني خفت منها، في الشهور التالية. وبال٫ات بعد أن عرفت أن الغرض من رسم هذه البورتريهات أن توضع داخل الخرطوشة التي تحفظ المومياء في مكان الرأس. لم تكن فكرة الرحيل عبر الزمن – ولا حركة المشاعر من الاستغراب والتربص إلى الصحبة والسكينة – تعبر، مع ذلك، عن التجربة. في القاعة المظلمة – كانت خالية تماماً عندما دخلتها، فاختلط خلوها بالجو المكيف والتصميم الحديث ليشعرني أنني في مركبة فضائية – لم يظهر شيء. خطوت بحذر بين حوائط منسابة حتى اضطررت للاستدارة. وبطرف عيني لمحت بؤرة ضوء، فجأة: كان شخص ينظر إلي بعينين كبيرتين جداً، مفتوحتين فيما يشبه العتاب. وهكذا ظلوا يطلون من مستطيلاتهم المضاءة، كأنهم يتابعونني بعيونهم. وكلما نظرت لأحدهم أشعر، بيقين لا يمكن أن أكون قد اختلقته، أن هناك أحداً معي في المكان. شخصاً من لحم ودم، راعني أن يكون قد عاش منذ أكثر من ألف عام. ففكرت في تاريخ بورتريهات هوارة: قرن ونصف – تقريباً – لا يعدو أن يكون لحظة عابرة. شيء استثنائي بالكامل… أن يُستبدل هيكل الوجه المفرغ على خرطوشة المومياء – القناع ذا الملامح الموحدة – بلوح خشبي مرن، فوق سطحه نماذج على آخر تطور للمدرسة السكندرية «الطبيعية» في رسم الوجوه. (عرفت، مؤخراً، أن معلمي هوارة يقفون من العبقري الإغريقي أبلس موقف التأثيريين من النهضة الإيطالية)… ولا يهم، في المقارنة بين الفوتوغرافيا والرسم – وعلى سيرة الموت، بالضرورة – إلا ذكر النظرية القائلة بأن البورتريهات أنجزت بالشمع الساخن، الأمر الذي يستدعي من السرعة في الأداء (بالإضافة، ربما، إلى استخدام عدسة تعكس الضوء على السطح الذي يعالجه الرسام) ما يوازي مدة التبادل في إحدى «جلسات» أفدون أو طلعات معلمتي الصحفية، وبغض النظر عن كون هؤلاء المعلمين يؤمنون، مثل الأخيرة، بأهمية التعرف على الزبون أو لا. المؤكد أن أحداً منهم لم يكن يعرف زبونه. لكن الأهم من كل ذلك أن هناك اتفاقاً عاماً على أن قوة تأثير البورتريهات تكمن، ليس في مطابقتها الفوتوغرافية للواقع – وإن كانت تقاليد أبلس قد ساعدت على تحقيق واقعية باهرة – ولكن في اعتمادها لوحة ألوان رباعية لتحقيق درجة من التجريد جذرية وصحيحة، تماماً كما تنبع قوة البورتريهات الفوتوغرافية من كونها تعتمد درجات مشابهة من التجريد، سواء من خلال اختزال الرؤية إلى الأبيض والأسود أو معالجة السطح الذي هو موضوع الصورة – الإيماءة، الرداء، التعبير – الأمر الذي يعقد في ذهني صلة وطيدة ما بين حدث الذهاب إلى متحف محمود خليل والانبهار بأعمال نادار وأوجست ساندر ثم أفدون، ضمن أسماء أخرى (وعلى الرغم من أنني لم أر من تلك الأخيرة إلا نسخاً أنجزت على خط إنتاج طباعة تجاري، تبعد في معظم الأحيان عن الأصل ببضعة أجيال). البورتريه، إذن (سواء أنجز بالفضة أو الصبغة المذابة في الشمع أو الزيت): أن أشعر بشخص ميت معي في الغرفة، وأنا وحدي هناك.

عزيزي ساراباس

ظللتَ معلقاً على حائط غرفتي شهوراً فمتى أُزلت؟ لا أذكر. لم تكن سوى بوستر رخيص، في النهاية، حمل شيئاً من هيبة وجلال موميائك رغم كل شيء. أفدون يقول إن تاريخ الفن هو أيضاً تاريخ الأزياء – على سبيل تبرير عمله التجاري – فهل كان رداؤك الروماني «على الموضة»؟ متى أُنجزت صورتك؟ كيف عرفت أن تنظر إلى الرسام بذلك المزيج المثالي من الحضور والغياب؟ لعله كان صائماً حين أقبل على عمله – فمن عادة تلك الأيام البعيدة أن لا يدع الفنان شبع الطعام يحول بينه وبين المهمة المقدسة التي هو بصدد إنجازها – ولعله تمكن، وهو ينظر إلى نضرة وجهك الذي يبرق بالحياة، من الولوج إلى جمجمة محنطة. منذ أول لحظة وعيناك تقولان: أنا هنا. هل يفرق معك إلى هذا الحد، أن أتعرف عليك؟ لا شك أنني كنت أفكر فيك عندما ألّفت لصديقي السينمائي مقاطع مستلهمة من النصوص القديمة، حتى يدرجها في عمل وثائقي عن وجوه الفيوم. هل كنت على حائط غرفتي حينذاك؟ كنت أعرف أن عبقرية نادرة حفظت منك الدليل، وأنت ميت. أصبحت صديقاً حاضراً وأنت، بالمعنى الحرفي، تراب. كنت قريباً جداً، لا؟ وتأكد أن المسافات الزمنية، مهما طالت، لا تفصلنا عن بعضنا البعض بالقدر الذي نتخيله.كل هذا الحزن والإصرار في عينيك. صدقني، يا ساراباس (وحتى إن لم يكن هذا اسمك، في الحقيقة): لقد عرفتك جيداً.

العيش أطول وقت ممكن

عادت إيمان مرسال بضعة شهور من مسكنها الدائم في إدمونتون، كندا، للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة القاهرة. للشاعرة ولدان وأربعة كتب: (اتصافات)، (ممر معتم يصلح لتعلم الرقص)، (المشي أطول وقت ممكن)، و(جغرافيا بديلة). تعمل بالتدريس الجامعي، تكتب يوميات لا يطلع عليها أحد ولها رواية لم تقرر نشرها وكتاب عن الأدباء العرب في أمريكا كان بمثابة نص أدبي موازٍ للدكتوراة. منذ بداياتها الشعرية كطالبة ثانوي في المنصورة، لازالت تشعر أن الكتابة عموماً أشبه بلقاء أصدقاء تحبهم وتحترمهم وتتواصل معهم بكل عمق، بينما الشعر – تحديداً – لقاء بحبيب. هكذا تحدثت من مسكنها القاهري في المنيل، وعلى المنضدة شاي وسجاير وزجاجة ماء خرجت متجمدة من الفريزر.

إلى حيث توجد القصيدة

أنا شخص بسيط جداً. ويجب أن تفهم ببساطة أنني أكون مخلصة تماماً فيما أعمل، ولا يهم على أي مسافة يقع هذا الذي أعمله من الشعر. الشعر يجيء لما يجيء، أو يعني أنا أروح له، أيضاً كيفما اتفق. بلا نسق إنتاجي أو نظام محكم من النوع الذي يتطلبه التدريس أو الأمومة، أو إنجاز رسالة أكاديمية مثل التي انتهيت منها أخيراً. وأنا أعمل في تجربة مثل تجربة الدكتوراة، مثلاً – عن صور أمريكا في أدب الرحلة العربي – كنت أحس أن هذا العمل مهم تماماً بالنسبة لي. أكثر من أنه سيعلّم الناس شيئاً أو يمنحني شهادة. فعلاً. أنت تقرأ سرداً أنجزه أناس عن المكان الذي أنت جئت إليه: كان هذا مثيراً جداً، وكنت أبحث داخله عن شيء يخصني. فأنا لا أشعر أن هذا أقل أهمية من الشعر أو أني أعامله بدرجة أقل من التقدير. لا علاقة إذن لكوني لا أنجز الشعر بطريقة منظمة بكوني أخب إلى أماكن أخرى في الحياة. أنت تكون مأخوذاً في أشياء تحبها. أن تطبخ أو تمضي الوقت مع ولديك. يمكن أن أسهر إلى الفجر أحضّر درس اليوم التالي لطلبتي في جامعة ألبيرتا، وأكون سعيدة جداً وكلي مستَثمرة في الأمر. لا أشعر أن هذا يأخذ من وقت الشعر أو يهدد الإنتاج، لأنني مقتنعة تماماً بأنه لو كان يمكن أن تؤدي طاقة اللحظة إلى القصيدة، فإلى هناك ستؤدي. حدث فعلاً أن شيئاً برق وأنا أدرّس أو أطبخ، وفعلاً أكملت هذا الشيء فأنجزت قصيدة قصيرة أو نصاً ما. عندي إحساس أن الطاقة هذه حين تكون موجودة ستوصل فعلاً للشعر، ولا ضرورة لأن أضع نفسي في الخلاط فأتدرب على كتابة القصيدة كل يوم أو أمتنع عن أشياء أحبها لأكون كاتبة متفرغة للكتابة. أنا فقط لا أفكر بهذا الشكل… وحين أكون ذاهبة إلى القصيدة، فعلاً لا يوجد أي شيء آخر في الدنيا.

من مقهى إلى مقهى

حين يسألني أحدهم عما يجعلني أبذل كل هذا الجهد في رسالة أكاديمية عن أدونيس، مثلاً – أدونيس موضوع الماجستير الذي حصلت عليه سنة ١٩٩٨ – متصورين أنني أسعى إلى الشهادات العليا ومثل هذه الأشياء، كنت أسخر من ذلك فعلاً. ليس الموضوع موضوع شهادات. أبداً. والله العظيم كانت الفكرة تضحكني. فسواء في كتابة رسالة أو في الانشغال بأي شيء في الحياة، أنت تبحث عن شيء ثم تجد سكتك إليه. لكن في أي لحظة يمكن للموضوع أن يخرب أو يتوتر تماماً لأنك تكتب شيئاً آخر. لنسلم بأن النوع الأدبي هو الشعر، هذا هو النوع الأدبي. لكن عندما تتولد الطاقة الدافعة إلى الكتابة، تضطرب الأنظمة لأنه يوجد شيء مختلف أنا لا أعرف ما هو، لكنه موجود. عندما أكون مضروبة بحالة كتابة لمدة أسبوع، مثلاً – عندي أسبوع أكتب الشعر ولا أعمل أي شيء آخر تقريباً – أحس بهذا الشيء المختلف. هو لا يعتمد مثلاً على الدأب في أن تقرأ وتبحث عن معلومات. هذا مثلاً فرق تقني بسيط جداً. يمكن وأنا أكتب أن أمشي مسافات طويلة جداً دون أن أنجز شيئاً. وأظل أنتقل من مقهى إلى مقهى وأنا أعاني من ضجر شديد. وأنا في حالة كتابة. فكرة المشي أو الجلوس في مقهى بعد آخر – أن تكون مع ناس لا تعرفهم ولا تكلمهم – هذه الأشياء مرتبطة عندي بحالة الكتابة. وأن هناك شيئاً لم يظهر بعد. أنت وراء شيء، يعني. بينما وأنا أشتغل بالدكتوراة، يمكن أن أمكث اثنتي عشرة ساعة في المكتبة بمفردي، وأفتح كتباً كثيرة في وقت واحد. مزاج آخر، روح أخرى. أنا أكلمك طبعاً عن خصوصية كتابة القصيدة بالنسبة لي أنا. لا علاقة لذلك إطلاقاً بفكرة قدسية النص الشعري أو البلاغة أو صورة الكاتب التي كان هناك سعي لكسرها وإبدالها في لحظة معينة في التسعينات، من خلال سمات وتفاصيل كثيرة جداً ومختلفة تماماً من شاعر لآخر جمعت بعض الناس بعض الوقت.

ليس مهيجاً للكتابة

كل سياقات الكتابة التي تصبح بموجبها ضد البلاغة بهذا الشكل أو ضد صورة الكاتب بهذا الشكل: لا شيء من هذا كله مهيجاً للكتابة. مع أنه موجود ومحرك، لن يكون عمره مهيجاً للكتابة. يعني أنا لا أكتب قصيدة عن علاقتي بأبي مثل تلك التي كتبتها سنة ١٩٩٤، قصيدة (الجلطة)، لن أكتب هذه القصيدة لكي أخوزق البلاغة العربية التي أكرهها. وأنا أكرهها فعلاً. لكن لا يوجد دافع من هذا النوع لا بالطيب ولا بالردي. الناس الذين يكتبون من أجل إحلال بلاغة جديدة محل بلاغة قديمة يكون عندهم بالفعل أجندة جمالية. ليس أنا. وأعتقد أن العلاقة بالأب، في هذه الحالة، كانت هي المهيج لهذه الكتابة. أنا عندما أردت أن أكتب عن علاقتي بأبي، ولم أكن قد اطلعت على تراث الشعر العالمي الحداثي، لم أجد كاتبة عربية يمكن أن تمثل لي مرجعية غير حنان الشيخ التي كتبت عن أبيها بشكل مختلف تماماً عن علاقتي أنا بأبي التي أريد أن أكتبها أو يعني أن أكتشف أني أكرهه وأحبه وهكذا، ولماذا كل هذا البؤس. عما أريد أن أفعل. لذلك أنت ليس أمامك سوى التخبط. هناك مثلاً من قرأ هذه القصيدة على أنها ضد السلطة الأبوية… أو أي قراءة أحادية بهذا النوع من التسطيح. لم يكن هذا يعنيني من قريب أو بعيد: كل ما يعنيني أن أصطدم بحائط علاقتي بأبي، ولم يكن ممكناً فعل ذلك بالبلاغة العربية القديمة بغض النظر. لم يكن ممكناً بدون هذا التخبط، وبالتالي أنا لم أكتب بهذا الشكل لأحارب البلاغة القديمة. فقط ما أردت أن أكتبه، لم تكن هذه البلاغة تصلح له. لو أن المكان الذي أقف فيه وأنا أتكلم عن الأب هو أبي الذي ضحى بحياته من أجلنا بعد أن ماتت أمي وأنا عندي سبع سنين وتركت له ثلاثة أطفال أنا أكبرهم، كان ذلك ليؤدي إلى بلاغة قديمة على الفور. لكن المكان الذي أقف فيه كان أكثر تعقيداً بعض الشيء. أنا شخص بسيط فعلاً، لكنني كنت أقف في مكان معقد.

002.jpg

زليخة

July 20, 2009

*

ناءت عانتها

لا لأن زوجها عنين

فالصبي الذي يهجع إلى حضنها

نصف ابن

الصبي الذي يناوش الكمال

في نموه

هشّم الخيال بوعد لذة

دونها الموت نفسه

ناءت

لأن عرقه المنساب

في سرتها

حِمل كالمصير

*

بشهوة كالأمومة

وهو نائم

تلعق القذى من عينه

كأن أنفاسه شعر مجعد

يمسده أنفها

وكعطشان غُلّقت شفتاه

حول صنبور مدور

تحلم بالعبّ

من شفتيه

16.jpg
عبد الهادي الجزار: عارية

ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.

كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.

يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.

أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

002.jpg

زليخة

July 11, 2009

إلى سنان أنطون

كالعجين اللدن على طرف اللسان

يتذوق ذراعها

لأن الشبق

أحلى من التفاح

يسيل لعابه

على طعم الخمير

ولا يفتقد حلاوة السكر

الفلسطيني

كالعجين الواعد بخبز قراح

يتذوق لحظة

قبلما يهم بالفرار

اللحظة التي يعرف فيها

أنه سينقذ العالم